كتاب الحقيقة

دعوة للاقتصاص وليس الانتقام

  يقول المثل: لكل حصان كبوة ولكل حليم هفوة… ولقد سلمنا بصحة هذا المثل وآمنا بمصداقيته، ولكن أن تستمر الكبوات وتكثر الهفوات، فهو أمر ليس بالمعقول مطلقا، ومن المعيب ان يكون بحكم المقبول والمعهود في بلد له من السقطات كثير، أوقعه في مطباتها حاكموه وسلاطينه على مر التاريخ، لاسيما اذا كان هذا البلد عريقا في حضارته وتاريخه مثل العراق. ومن المفترض أن يكون بعد السقوط نهوض، فهل تحقق جزء ولو كان ضئيلا من النهوض على يد ماسكي زمام أمر البلاد؟.
   لقد بات الحديث عن الاخفاقات المتتالية والانحدار نكوصا بمستوى أداء مسؤولينا وساستنا بإدارة البلد، أمرا لايعقل ولا يقبل، ولو بحثنا أسباب هذه الاخفاقات لوجدنا أنها لم تكن وليدة ظرف قسري، إذ سيتضح أن الأسباب الرئيسة لهذه الإخفاقات هي التناحر والتضاد بين أرباب الحكم وصناع القرار أنفسهم، من داخل البيت العراقي وتحت قبب مجالسه، وبرعاية رؤساء هذه المجالس. وما يزيد الطين بلة أنهم مصرون على استمرار العداوات بينهم، بل وما انفكوا من إضرام النار في الهشيم قبل أن تنطفئ نار قد علا سناها من قبل، وهم بهذا يزيدون في العداوة ولوغا ويماطلون في إبعاد الصلح، ولا يتعظون من قول الإمام علي عليه السلام:

والق عدوك بالتحية لاتكن    منه زمانك خائفا تترقب

وماكان هذا الطود الشامخ لينطق كلاما ليس فيه حكمة -حاشاه- وهو الذي كان يتمنى ان تكون رقبته بطول رقبة البعير لتأخذ الكلمة مساحة زمنية قبل ان ينطق بها، وهو استخدام مجازي يحثنا على التأني في انتقاء مفردة أو إبداء رأي او إسداء مشورة. أما لقاء العدو بالتحية فقد يخال أحدنا أنه تنازل او ان فيه مساسا للكرامة، فتمنعه من أدائها عزة نفسه وكبرياؤه، ولو تمعنا في القول جيدا، لتبين لنا بعد النظر في العلاقات الإنسانية وسعة الأفق في احتوائها، اذا ماتخللتها أزمات قد تنذر بعواقب أمور لاتُحمد، وتفضي نتائجها الى شرور ونيران لاتخمد. فالعدو شئنا أم أبينا هو توأمنا منذ بدء الخليقة، يومها كانت السباع والضواري هي العدو الوحيد للإنسان، واليوم تنوعت أشكاله وتعددت مواهبه ومكائده، وصار الإنسان لأخيه الإنسان عدوا، فاق في خطره وتأثيره أكثر الحيوانات ضراوة وأشدها فتكا به. وما كان المقصود بإلقاء التحية على العدو إلا لغاية، لو أدخلناها في حساباتنا لأدركنا أنها تصب بالنتيجة في مصلحتنا وتسهم باستقرار حياتنا على نهج سوي، يتيح لنا فرص العمل والنجاح والإبداع.
  فهل لساستنا نظرة صادقة خالصة لهذا المعنى والمقصد البليغ والهدف المنشود من تحية العدو؟ وهذا قطعا لايبرر دعوات بعضهم اليوم الى وضع اليد بيد أعداء سجلوا عداءهم في لوح التاريخ، بشكل غير قابل للحك والشطب والمحو، وطرزوا تلك العداوة بالمواقف الشنيعة التي لاتغتفر، وأقرب مثال على هؤلاء أزلام نظام صدام، وأعني منهم حصرا المنتشرين في سدة الحكم ودهاليز مؤسسات الدولة، ولاسيما الحساسة والقيادية والسيادية منها، وذكر الأسماء في مقامي هذا لايجدي نفعا ولايسمن من جوع، فذكرها -الأسماء- يجب أن يكون في مقام يأخذ على عاتقه اتخاذ الإجراءات اللازمة، كتلك التي كان يتخذها حزب البعث نفسه، بحق من يشك في ولائه له، إذ كانت السنة المتبعة آنذاك (اگطع راس وموّت خبر). هي ليست دعوة للانتقام بقدر ماهي دعوة للاقتصاص، ممن تسببوا بأذى العباد وخراب البلاد.

aliali6212g@gmail.com

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان