كه يلان محمد
العلاقة بين اللذة والسعادة والترابط بين الحالتين هي من المسائل التي ناقشتها المذاهبُ الفلسفية. بالطبع هناك تباين في شرح جذور تلك العلاقة، إذ يوجد اتجاه يحصر مفهوم السعادة في اللذة القصوى، أي أنَّ الإنسان من أجل نيل السعادة لا بُدَّ أن يستقصي عن المصادر التي توفّر له قدراً كبيراً من الإلتذاذ في ممارساته الغريزية. من جانب آخر ثمة رأي يناقض مبادئ مذهب اللذة لأنه يربط هذا الرأي بين اكتساب السعادة وقدرة الإنسان على الإحجام عن الملذات المادية، وبذلك يعتق المرء من سلطة أشياء وغرائز لا تدوم ومصيرها إلى الزوال.بين هذا وذاك تجدُ من يرهن تحقيق السعادة في إيجاد التوازن بين احتياجات الإنسان الروحية ورغباته المادية، السعادة وتشابكها مع القيَم المادية من المال والامتلاك وإشباع الغرائز تتحول إلى نواة رواية «إحدى عشرة دقيقة» للكاتب البرازيلي باولو كويلو، الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر.
بُنية الرحلة
باولو كويلو قبل أن يكون كاتباً هو إنسان مُغامر يفضّل الإبحار ضد التيار، ربما هذا الميل ينعكس أكثر في «إحدى عشرة دقيقة»، إذ يحشد كماً كبيراً من المُفردات الدالّة على الفعل الجنسي، غير أنّ هذا الأمر يَتّسق مع بناء رواية تترصد حياةَ فتاة تعمل في إحدى الملاهي في سويسرا بعد مغادرتها البرازيل.
هنا في سويسرا تجرّب هذا العمل لأوّل مرة مع شاب عربي تتقاضى منه ألف فرنك مُقابل ليلة واحدة، ومن ثُمَّ تحترف هذه المهنة في ملهى كوباكابانا. وبذلك يصبحُ الجنس تيمة أساسية بين دفّتي هذا العمل.
تتميز شخصيات باولو كويلو بحب المعرفة وذلك ما يتجسّد في رائعته «الخيميائي»، كما تلمس الشغف بالاكتشاف أيضاً لدى ماريا بطلة رواية «إحدى عشرة دقيقة»، فالأخيرة تنتقلُ بين المدن وترحل من مكان إلى آخر، أي ليست شخصية سكونية بجانب هذه الرحلة الفيزيائية التي تُحدّد بالمساحات الجغرافية.
تنمو رغبةُ الرحلة نحو الذات عند البطلة كأنّ بالكاتب يريد إيصال رسالة فحواها أنَّ الإنسان مع تغيّر الأمكنة ينجلي الغبار عن جوانب محجوبة من شخصيته، ويكون أكثر استبصاراً بواقعه وذاته في آن واحد. تقضي ماريا طفولتها ومراهقتها في السرتا وهناك تتعرّف الى جسدها وتبدأ مُغامراتها العاطفية، ومن ثُمَّ تعملُ في مصنع النسيج وهنا تدرك قوة جمالها وسلطته على صاحب العَمَل، وتلتقي ماريا في ريو دي جانيرو بمن يبحثُ عن الفتيات ليوظفهنَّ في الملاهي فتُوافق على العرض وتُسافر إلى أوروبا وبالتحديد إلى سويسرا، وتتعلّم قواعد العمل وأساليب المحاورة مع الزبون. كما تفهم بأنّ هناك زبائن غير عاديين يرتادون الملهى الذي تشتغلُ فيه، فالبطلة يهمّها التعمّق في عالمها الجديد كما تريدُ التزوّد بمعلومات عن مهنتها.
عمل وظيفي
خلال عملها في الكوباكابانا تتلقى عروض الزواج من عدة شخصيات، غير أنَّ شروط المهنة تفرض عليها عدم الإصغاء لنداء الحُب. وهي بدورها تستجوبُ زميلاتها عن الدوافع وراء اختيارهنَّ لهذا العمل فتسمع إجابات متنوّعة منهنَّ، فهناك من دخلت هذا العالم لأسباب مادية أو قد تكون الرغبة هي دافعها.
مُعايشة ماريا مع طبائع مختلفة من البشر تلهمها فكرة كتابة رواية وتختار لها عنوانا لافتاً «إحدى عشرة دقيقة»، ولقد أخذت هذه التسمية من المدة الزمنية التي تستغرقها العملية الجنسية، إذ تتكون لدى ماريا قناعة بأنَّ كل ما يعمله الإنسان من التأنق والمال هو من أجل هذه الدقائق. هنا تبدو البطلة وجهاً آخر لفرويد، فالأخير أيضاً قد وجد في الإيروس دافعاً أساسياً في تحديد اختيارات الإنسان وتطلّعاته في الحياة.
فضلاً عن ذلك تُفسّر ماريا إقبال الرجال على ممارسة الحب مع بائعات الهوى بأنه بحث عن السعادة حتى لو كانت في صورتها المؤقتة، إذ يجدون المتعة في تظاهر المرأة بالإستجابة مع رغباتهم، غير أنّ الأمر له وجه آخر بالنسبة للأنثى، التي تجمعها علاقة حميمة مؤقتة مع الرجل، فهي عمل وظيفي لا تُمثّلُ لها شيئاً آخر.
إضافة إلى ذلك تنقّبُ ماريا عن ما وراء العذاب، وذلك يتجسّد في علاقتها الغامضة مع تيرنس الإنكليزي، فالأخير يستمتِع من ساديته ومازوشيته في آن واحد.
عملها في الحانة يفتحُ لها الطريق لاستبطان أعماق الرجل وتظهرُ لها نفسيتهم فهي تصنّف الرجال إلى عدة أنواع، ولكل نوع تستعير عنوان فيلم كانت قد شاهدته سابقاً، وتدرك بأنّ بعضاً منهم لا يطلب الرغبة الجنسية بقدر ما يحتاج إلى معالجة حالة إحتقانه النفسي. فضلاً عن ذلك يتبيّن لها أنّ الخوف من المرأة حالة ملازمة للرجل.
يتبنّى الكاتبُ أسلوب السرد الموضوعي في عرض مادة عمله، كما أنّ الراوي العليم يقدّم تفاصيل دقيقة عن البطلة، ويقطع السرد ما يورد في سياقه من مدوّنات ماريا وهي مقاطع مُكثفة تفصح عن تصوّرات البطلة لواقعها.
مَعْبر الحُب
لا يُختزل الحُب في رواية «إحدى عشرة دقيقة» في بعد واحد، وتخلصُ ممّا يقدمه باولو كويليو في مؤلفه بأنَّ الحب والعلاقات الحسية عنصران مُتكاملان، ويَنمّ أسلوب صاحب «الزهير» عن عقلية رافضة لتدنيس الجسد لأنه بغياب العامل الجسدي يَصْعبُ إقامة تواصل روحي.
تُصادف فتاة الحانة وجود شاب منسدل الشعر، فما ان تهمّ بالخروج من المقهى حتى تسمع صوتاً يناديها مقترحاً أن يرسم لها بورتريه مؤكداً بأنّ الأمر لا يأخذ وقتاً كثيراً، ومن ثُمَّ يبوح لها رالف بأن ضوءاً في عينها جذبه إليها.
الإثنان ينفتحان على بعض وتتطور العلاقة بينهما بالتدرّج، كما يختبران طريقاً غير معهودة في التواصل العاطفي، وتتخذ العلاقة بين الطرفين بُعدها الروحي من الموقع الذي يلتقي فيه الإثنان، طريق ماري يعقوب الذي قد سلكه متطوعون في الأزمنة الغابرة، يضربون أنفسهم حتى يُخلّصهم الله من مرض الطاعون.
وفي ذلك ما يومئ بأنَّ الحُبَّ هو بمثابة المطهر، كما أنَّ الطريق نفسهُ قد مشى فيه الحُجاجُ قاصدين سان جاك دوكومبوستيل في إسبانيا. يبلغ الحبُ ذروته بين الفنان وفتاة الحانة بالتواصل الجسدي، على رغم رغبة ماريا بأن يظلَّ الحب في صورته الحُلمية، غير أنّ إرادة الحب تنتصر في نهاية الرواية عندما يسبقها رالف إلى باريس قبل أن تعود إلى البرازيل.
وبذلك يُنجزُ المُحبّان الحرية التي تولد من حب لا حدَّ له على حدّ تعبير ماريا. يُرفق كويلو عمله بِمُلحق يكشف فيه بأنّ أحداث روايته مُستقاة من حياة فتاة عاهرة وماريا اسم مُستعار لها، وما يُسندُ هذا القول هو أسلوب الكاتب الذي يُداني السيرة الغيرية. نجحَ صاحب «الزانية» في توزيع عبارات ومعلومات مُقتبسة وقصص فرعية على مساحة عمله، بحيثُ يأتي كل هذا ليرفد حكاية الإطار.





