ما ان استقرت الاوضاع في محافظات الوسط والجنوب بعد انتفاضة شعبان 1990 ، وما رافقها من قساوة ومفرطة حد الاجرام ، تحملها الشعب العراقي باسى وصبر ، وفيما كانت الناس تدفن شهداءها وتلملم اشلاءها ، تحت صمت اعلامي ودولي مخجل . التقيت خالي المرحوم ( رفيع ) شيخ عشيرتنا ، الذي زار بغداد لاغراض ( زراعية ) ، وقد سالته في جلسة تعلولة اقارب في ليل شتاء عراقي طويل ، عن اسباب انتفاظتهم كفلاحين في الجنوب ، اذا كانت امورهم جيدة والحكومة تدعمهم بامور عدة ، فقال بعد ان تبسم ، بنفس عميق : ( نحن ننشد الحرية ، التي لا تعادل بثمن ) ، فقلت له : ( لقد سمعت من ابي الله يرحمه ، ان حريتكم كانت ايضا مسلوبة ، قبل عقود من الاقطاع وظلمهم ، المعروف وما تسبب بهجرة اغلب الفلاحين هربا لبغداد ، بحثا عن اي وسيلة عيش تخلصهم من الاقطاع وجلاوزته ، فعن اي حرية ، تتكلم ) ، فقال : ( صحيح ، ماذكرته ، لكن الاحوال تغيرت ونحن الان جمهورية ولا اقطاع فيها ، لكنهم سلطوا علينا ادوات وشعارات بزي جديد، تؤدي ذات ظلم الاقطاع واقسى واشمل منه ) .
بعد سقوط الدكتاتورية بعقد ، زارني ابن الخال الحاج ( كامل رفيع ) ، للسلام والتواصل ،وامور اخرى .. وقد سالته ، كيف ريفكم الاجمل وما هي امكانياتكم الزراعية والحيوانية .. وغير ذلك الكثير ما ينبغي ان يكون ، قد تطور في ظل الديمقراطية الجديدة ، فاجاب : ( بذات الحسرة التي اطلقها والده ايام الدكتاتورية .. آآه ..اووه .. عمي يا زراعة يا ريف يا حلال .. لقد انتهى كل شيء ، لقد ماتت الارض وشح الماء وتحولت المهن وانتقل الناس الى الاستيطان وتركوا اراضيهم .
ثم اضاف يقارن بين عهدين : ( سابقا ، كانت الدولة تبيع للفلاح الات زراعية وسيارات وحصاودات ومضخات ، من افضل المناشئ العالمية بالقسيط المريح ، كذلك كانوا يقدمون البذور المستوردة تحت رقابة حكومية مشددة ، وباسعار زهيدة معززة باسمدة عالية الانتاجية ، كما ان سعر برميل الكاز كنا نزود به برمزية لا تتجاوز الدنانير وبكميات كافية ، كل ذلك ، شجع الفلاح على ان يزرع وتشتري الحكومة ، بموجب مبالغ جيدة تصرف فورا ، فيما اليوم لا حصادوات ولا اليات ولا سيارات يضطر معها الفلاح الى شرائها من السوق بسعر تجاري مضاعف ، فيما ارتفع سعر برميل الكاز مائة ضعف ، كذلك السماد والبذور اغلبها سيئة النوعية وباسعار مضاعفة عشرات المرات ، ورغم كل هذه المصاعب فان الحكومة تشتري الحاصل وفقا لشيكات لا تصرف الا بعد سنتين اوثلاث وبعضها تجاوز ذلك بكثير ، كما لا ننسى استيراد الخضروات واللحوم والبيض وغيره من الخارج باسعار رخيصة ، جعلت فرص بيع الفلاح لمحاصيله ومنتوجاته شيئا صعبا ، في ظل قدرة معدومة على تنافس المستورد ، اضافة الى الظروف التي سادت وجعلت الفلاح يترك المهنة مستقرا ببيته اوباحثا عن مهن جديدة .
اهم الاخبار
كتاب الحقيقة
زراعتنا .. بين عهدين !
- 13 مارس, 2017
- 61 مشاهدة





