بغداد ما اشتبكت عليك الأعصرُ
إلاّ ذوت ووريق عمرك أخضرُ
مرّت بك الدنيا وصبحك مشمس
ودجت عليك ووجه ليلك مقمر
وقست عليك الحادثات فراعها
أن احتمالك في أذاها أكبــر
لملمت ذكراي، منذ أربعين عاما، وأنا اجوب شوارعك مكاتبك مشاربك، سجونك، مقاهيك، رفقة احبة ما انفكوا يسكنوا القلب، فيلتهب شوقا لمجالسهم، كم كان لشرخ الشباب فيك تمختر، وليال غناء، نجوب ميادينك، وفي زواياها، جمع يذوب الزمن في انغماس، وتنساب الطروحات، رفوف كتب تركن تتراكم في حافظة الفكر، لينمو ليثمر ليسمو على ايقاع سمفوني، وكانك مع بجعات ” جايكوفسكي”. هل الرحيل عنك فرض واجب؟ هل الخوف من الطوارئ؟ هل الافلاس من ان تجد لك مكانا في قلب حبيبتك؟ هل ضاقت السبل وأحكمت الحلقات ؟ هل ازدحمت الطرقات بالدخلاء والغرباء والقتلة ولصوص الارواح والاموال ؟ هل الرعب من بانوروما الاشلاء والاعضاء ؟ هل اجترحتك سكاكين الاعداء وتناحر الاشقاء ؟ هل سطوا عليك وتمكنوا الغرباء ؟ هل تحولت جداراتك الى لافتات سوداء يا فيحاء ؟
وداعا ..عروس المدن ، وحاضرة الدنيا ، وعاصمة امبراطورية يتساوق مجدها الممتد جغرافيا في ارض الله ، مع التقدم الفكري والعلمي المتشعب والمتواصل مع الامم، حتى وكأن التكامل في انضاج حضارة منتجة هي العلامة التي ميزت هذا العصر في إطلاق الفكر والعلوم الى الدنيا . تواصلوا مع المنتج الحضاري، تبصروا فيه جليا ولم يماحكوه بل حاكموه في معمل الفكر الذي اخذ الفرضية واعطى النتائج . علام يحدث فيك كل هذا، أهو الحقد يا عاصمة المجد التليد ؟ لم ينتج عصر ما فردا يكون فيلسوفا واديبا وموسيقيا، واخر طبيا وفيلسوفا وشاعرا وجراحا وواضعا للاسس العلمية في الطب والجراحة، واخر رياضيا تجاوز فيثاغروس مكملا واختصاصيا في خمسة علوم اخرى. كم من عشرات المئات يسعى للاعلان عن إعلام، الفارابي ابن سينا الخوارزمي ابن النفيس جابر بن حيان ابن الهيثم ابن ابن…. خلايا نحل تئز تحت تلك الفوانيس لتؤسس للبشرية قواعد متينة، في العلوم والاداب، لامة ردت اليك بالموت والمفخخات .
بغداد عصمة العقيدة وعاصمة الافكار، مجد تليد وتصد عنيد، وريق عمرها اخضر، ووجهها مقمر، واحتمالها اكبر، رغم كل ما اشتبكت عليها الاعصر . هي تلك المدن التي تستحق ان تكون الحاضرة والخاصرة، وليس مدنا اينعها البترو دولار، إنبثقت من الرمال، وما ال اليه المآل . رجالك فعالية عقل وكأني بهم يقولون للاخرين : مازال الجاحظ حيا، وابو نؤاس على ضفاف دجلة يتلو قصيدته، ومازال حارسها عبد الامير الحصيري في نشوة ان يغفو على ضفافك . المتنبي ولهان طربان وهو يستمع الى انشودة الروعة ليشنف سمعه ويعبق رئته على ضفاف دجلة ، عشيقة الجواهري:
حيّيتُ سفحَكِ عن بُعــــدٍ فحيـِّيني
يا دجلةَ الخيرِ يا امَّ البســــــاتينِ
وهاهو نزارقباني يتدفأ بشمسها:
عيناك يا بغداد منذ طفولتي
شمسان نائمتان في اهدابي
حتى رأيتك قطعة من جوهر
ترتاح بين النخل والاعناب
وداعا ايتها الحبيبة، لم اتركك وحيدة يوم نفر الناس ، لم افارقك يوم اراد “الرجاج” صنو الحجاج ان يقتل ويطرد اهلك، وقفت حتى لا اخل بالموازنة الديمغرافية، التي ارادوها عنوة، بالتشريد والتهديد، لان رئتي تعشق هواك . وانا اشد الرحال، خاوي الوفاض، منهك الجسد، اخذ مني العمر، فرض لازم السنين، الى مدينتي حيث يزدحم فيها التقافز العشوائي اذ تحولت الى كاتدرائية، بل مجلس عزاء، رغم انها موئل العلماء والادباء والشعراء، فهي الاخرى، تعرضت لقبضات الاقوياء الاشقياء .
اهم الاخبار
كتاب الحقيقة
وداعا بغداد الحبيبة
- 19 مارس, 2017
- 63 مشاهدة





