ثقافية

مثقفون وأكاديميون: الشيوعية هي من رسمت ملامح الثقافة العراقية الحديثة

هذه التجارب جعلت الكثير من مثقفي العراق يتجهون نحو شلال اليسار والماركسية ليشربوا من معين فكري لا ينضب ، فتحولت الثقافة العراقية تدريجياً الى ثقافة يسارية بكل تجلياتها التي بقيت راسخة في عمق التلقي، ولعل ادباء الجنوب في الناصرية والبصرة وميسان هم اكثر الذين انتجوا ثقافة يسارية حقيقية بحكم انتمائهم السياسي المبكر للحزب الشيوعي العراقي، الذي تصدى للدفاع عن الوطن والمواطن عبر رفضه للرأسمالية والدعوة للاشتراكية، لتبدأ مرحلة مهمة في تاريخ صناعة الثقافة التي بدأت تزدهر تلقائياً نتيجة تصاعد الحس الوطني الذي افرز ادباء وكتّابا نظروا للجمال والاحساس بعد ان هضموا ما جاءت به الماركسية.
ولمعرفة رأي المثقف العراقي بالتأثير اليساري والشيوعي على الثقافة العراقية كان هذا الاستطلاع.

اول المتحدثين كانت الدكتورة أزهار صبيح
“شيوعية ـ ثقافة” هي إحدى أكثر المتلازمات رواجاً وقبولاً، داخل الأوساط المجتمعية العراقية على اختلافها. حتى انها أولى الكلمات التي اشتغلت في مخيلتي وأنا أحاول مقاربة موضوعة الاستطلاع هذه “تأثير الحركة الشيوعية على الثقافة العراقية”. فما أن تُذكر كلمة شيوعية، حتى يتجسد في ذهن أي عراقي/ عراقية، معنى الثقافة، والعكس صحيح ايضاً وقطعاً.
ولا اعتقد ان منصفاً، يمكن أن يجادل في حقيقة الاسهامة الكبيرة والجليّة للحركة الشيوعية في الثقافة العراقية، حتى انه شكّل العماد الأساس والمحوري لها، عبر ما رفده بها من مفاهيم وقيم ومبادئ ونظريات ورؤى.
وإذا جاز لي هنا استعارة مقولة المفكر الجزائري “مالك بن نبي” في ان “الثقافة نظرية في السلوك أكثر منها نظرية في المعرفة” لابد من القول: ان معتنقي الفكر الشيوعي من العراقيين، واقعاً، هم الأكثر تجسيداً لهذه المقولة/ الحكمة. أُطلق حكمي الشخصي هذا، وأنا استند الى ملاحظة أزعم انها دقيقة ودائمة، لسلوكيات ومواقف العديد ـ العديد ممَنْ اعرف واتابع من الشيوعيين العراقيين الحقيقيين. هؤلاء الذين ما لبثوا يمثلون، وبكل الفكر الإنساني الناصع الذي يحملون، مثابات شاخصة، لثقافة عراقية حقة، لم تنطفئ جذوتها يوماً.

ويقول الدكتور حمدان سالم:
مثل كل الافكار والرسالات العظيمة انطلق الفكر الشيوعي من نظرية فلسفية علمية وضعت الانسان غاية لها وعدته قيمة عظمى . فقد رسم هذا الفكر منهاجا ثقافيا انسانيا ترك اثرا بل شكل اضافة نوعية للثقافة العراقية . ولعل حملة هذا الفكر تركوا بصماتهم من خلال تضحياتهم ومسيرتهم واقدامهم في مواجهة السلطات الحاكمة في مختلف العصور . الفكر الشيوعي وعلى الرغم من اصطدامه بالأفكار والثقافات السائدة في مجتمع محافظ تغلب عليه الأمية ويعيش حالة الفقر والحرمان والاستسلام للقدر , فانه استطاع ان يؤسس لثقافة الثورة والمواجهة والتحدي , وان يرسم طريقا جديدا للحياة والعمل والعدالة وحقوق الانسان , من خلال تفجير طاقات الانسان واظهار قدراته وبيان دوره في البناء والتطور . وعلى الرغم من التحفظ الذي قوبل به الفكر الشيوعي في بعض الاوساط بسبب مواقف بعض التيارات التي حاولت الوقوف امام ذلك المد الفكري الجديد متهمة اياه بالإساءة الى القيم الانسانية والاخلاقية , الا ان ذلك لم يمنع من انشار الفكر بين المتعلمين الذين اصبحوا اداة التنوير وحملة مشعله فيما بعد .
اما الشاعرة بلقيس حميد حسن فقد قالت:
لا بد من أن يتأثر كل مجتمع بشري ثقافيا بالظواهر، فغالبا ما ينقسم المجتمع الى قسمين سلبا وإيجابا إزاء كل ظاهرة تشيع فيه. والحزب الشيوعي العراقي كان منذ تأسيسه وبكل ما انتظم في صفوفه من مبدعين ومثقفين ومتفوقين ومناضلين تواقين للعلم والمعرفة، شكل ظاهرة ثقافية كبيرة في المجتمع العراقي، ظاهرة وجدتها غالبية الفئات المحرومة والمهمشة من المجتمع العراقي والتي تشكل الأكثرية على أنها ظاهرة إيجابية فتأثرت بها كثيرا وتلاقفت أدبيات الحزب بشغف، فقد أدخل هذا الحزب في الثقافة العراقية أغلب كتب الفلسفة والاقتصاد والأدب التقدمي حيث كانت هذه الكتب ممنوعة وصعبة التداول أو هي غير معروفة قبل هذا الحزب وانتشار فكره الجديد الداعي الى العدالة والحرية والسلام، وقد كان خطاب الحزب عبر أدبياته خطابا لا يخلو من لغة ثقافية راقية طرحت مواضيع مهمة في مجتمع كان مربوطا بعجلة المستعمر تائقا للانعتاق، وبحاجة الى تعلم الكثير من الثقافة التي تؤهله للنهوض من جديد..
لقد كانت جميع منشورات الحزب حتى السرية منها في أوقات الشدة لا تنسى طرح كل جديد في الثقافة وتشجيع الناس على الاهتمام بالأدب والفكر والإطلاع على حضارات الشعوب الأخرى.
إن الفلسفة هي أم العلوم كما يعرّفها الفلاسفة، والأحزاب الشيوعية كما تكرر في برامجها وانظمتها الداخلية تقول أنها تستهدي بالفلسفة الماركسية، فكان الشيوعيون أول من اهتم بدراسة الفلسفة المادية الديالكتيكية والتاريخية وإشاعة النقاشات حتى ساد في عراق الستينات والسبعينات نوع من الشباب العراقي أعطى صورة حضارية رائعة وذلك باهتمامه بقراءة الكتب وخلق أجواء نقاشات نافعة تحرك العقول وتحاكي الشخصيات الفذة، كما شكلت مجلة الثقافة الجديدة وجريدة “طريق الشعب” خطاً لتأهيل الشعب ثقافيا والنهوض به، ونقلت لنا ترجمات عديدة ساهم الشيوعيون في ها لتصل الى أيدي العمال وطلاب الجامعات والدارسين، فنقلت مواضيع عديدة مترجمة الى اللغة العربية، وكتب فيها خيرة المثقفين الرواد والأدباء الذين أغنوا الثقافة العراقية، وكانت أدبيات الحزب عبر كتابها تنقل لنا أنماط وحيوات المجتمعات الأخرى خاصة في الدول الاشتراكية التي ما كان العراقي الفقير يستطيع السفر اليها ومعرفة تفكير أهلها وثقافاتهم، لذا كنا نرى أغلبية ابناء الشعب تشتري هذه المنشورات وإن لم ينتموا إلى الحزب الشيوعي بل أن هناك من ينتمي إلى البعث كان يشتري طريق الشعب ويخبئها داخل جريدة الثورة ، وهذا أكبر دليل على تأثير الحزب في الشعب ثقافيا وجذبه لما يطرحه من مواقف جريئة فيها مصداقية، ومواضيع متنوعة يساهم فيها خيرة المثقفين العراقيين من الناشرين في هذه المطبوعات.
وقال الدكتور صفاء السعدون:
من الامور الواضحة في الثقافة العراقية تأثرها بالفكر الماركسي ، وهذا لا يختلف عليه اثنان ، بل ان تمثلات هذا الفكر في الابداع الجمالي كان واضحا حتى على الاغنية العراقية التي اصبحت في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين تدعو بشكل أو بآخر الى الحس الجمالي الماركسي والبعد الانساني للحركة اليسارية التقدمية .
وقد يطول الحديث حول تأثير الحركة الشيوعية ، حتى اننا في فترة ما اصبح الفكر الماركسي مؤثرا في التعليم بشكل كبير .
خلاصة القول .. إن للحركة الشيوعية بصمة واضحة على الثقافة العراقية رغم كل الحصار والاضطهاد والقتل والتشريد .
ان فنا يحاكي الانسان وتطلعاته وآماله .. لا يمكن تدميره .
القاص عبد الأمير المجر تحدث قائلاً:
قبل كل شيء، لابد لنا ان نعرف ان التنافذ الثقافي بين الشعوب، يمثل أس الجدلية التاريخية من اجل بناء الانسان والحياة، بعيدا عن الصراعات الدموية والحروب المختلفة، بغية الاستئثار والغلبة ونفي الآخر وحقه في العيش بكرامة، او قل هذا هو واقع البشرية منذ الازل، ولعلها بدأت في القرون الاخيرة تتلمس طريقها نحو تلاق انساني مازال مثقلا بعثرات البداية وثمالة ثقافات غاربة تعشش في اذهان بعض صناع القرار.. والشيوعية وقبلها الاشتراكية كنزعة انسانة منظمة باتجاه عدالة اجتماعية، تمثل جوهر الرغبة الانسانية الساكنة في عقول وافئدة اولئك الذين ارادوا لهذه النزعة النبيلة ان تعم البشرية وتغدو واقعا يوميا معاشا يأخذ طريقه إلى مختلف الفعاليات الإنسانية الأخرى، ومن خلال حركات سياسية عدة، كان ابرزها واهمها على الاطلاق هو الحزب الشيوعي الذي انبثق من رحم الاممية الثالثة بعيد انتصار ثورة “أكتوبر” تشرين الأول 1917 في روسيا، ومن ثم تأسيس الشيوعية الدولية “الكومنترون” لتكون بمثابة انطلاق عالمي نحو غد انساني اجمل يقوم على مبدأ السلام وتكافؤ الفرص وتنظيم مصادر القوة في الارض لتكون في خدمة جميع سكانها… هل كان هؤلاء الناس حالمون اكثر مما ينبغي؟ .. نعم، لكنه الحلم الذي يجب ان يبقى ساكنا في القلوب والعقول، فهو الملاذ الذي يطمئن فيه الانسان إلى ذاته الانسانية عندما يواجه نزعة التوحش التي افرزتها الرأسمالية بنسخها المتجددة، حيث البقاء للأقوى والنفي التاريخي للشعوب واستعباد الانسان.
شخصيا ومن خلال قراءتي للمشهد السياسي والثقافي العراقي، وجدت ان تجليات الفكر الاشتراكي والشيوعية، التي تمثلت بالأحزاب والمنظمات الاخرى، عكست وعي شريحة مثقفة عراقية وهي تسعى إلى الاندماج بالإنسانية في بعدها الوجداني التائق للعدالة الاجتماعية والتحرر من عبودية الافكار الظلامية واقامة مجتمعات بعيدة عن التعصب و(الجهويات) التي دمرت روح الانسان وشوهت ضميره ايضا، ومن هنا فان تأثير الشيوعية كفكرة تزامن دخولها الى العراق مع موجة المد الثقافي العالمي الذي مهدت له الثورة الصناعية، واسباب التواصل التقني الهائل كان بداية لتأسيس وعي جديد خصّب الضمير العام بمقولات تلامس الوجدان وتحفز العقل على التفكير والتأمل الحر بعيدا عن قيود الثقافات المشوهة، ومن هذه المعطيات كان المثقفون الشيوعيون في طليعة الذين اثروا الواقع الثقافي بما يثير النقاش ويحرك البرك الساكنة .. قد يختلف هذا وذاك مع الحزب او مع سياساته لاسباب متعددة، لكن الفكرة بما تحمل من حرارة اعطت دفعة هائلة للبشرية باتجاه بناء عدالة اجتماعية، لا يمكن الاختلاف مع جوهرها ومشروعها، لأنها الحلم الانساني القديم. لا اريد هنا ان استعرض دور المثقفين الشيوعيين، المخلصين منهم لمشروعهم، لأنه اكبر من ان يستعرض وانا شخصيا افدت كثيرا منهم، لكني اردت القول ان الامم التي لا تنطوي على حالمين بوحدة الانسان والخوف على مصيره هي امة معزولة عن حراك التاريخ وهي بمثابة الميتة .. فهل كان العراق كذلك؟ اعتقد ان الاجابة مبثوثة في الارشيف الثقافي للعراق وخارجه وهي تحكي بالتفصيل دور المثقفين الشيوعيين المؤمنين بقضيتهم الانسانية وتعكس ايضا مقدار ما تحملوه لأجلها.
نعم بالتأكيد، الشيوعية كان لها تأثير بالغ الاهمية على مسار تاريخ الثقافة العراقية والعربية، لأنها قاربت الوعي المحلي بحمولته المتداخلة مع المحلي الآخر ليمتزجا بالمطلق الانساني الذي تلتقي عنده كل الشعوب، وبذلك ترك هذا النهج وتلك الصيرورة التي امتدت زهاء ثمانين عاما واكثر اثرا على الثقافة لا يمكن التنكر له مطلقا.
ويقول الشاعر جبار الكواز:
شخصيا شكلت قراءاتي للفكر الشيوعي الركيزة الكبرى لتكويني الثقافي والفكري وتشكيل الوعي الشخصي المرتبط ببعده العام وحدود الكشف القائم بينهما ورغم قرارات علنية استهدفت قرّاءه ومتابعيه ومحبيه، الا ان تلك القرارات لم تستطع لجم المتابعة القائمة على حب عميق لمدلولاته التي استوطنت اعماق الوجدان وافاق العقول كان الوصول الى تلك الينابيع المضيئة متيسرا رغم سريّته وخطورته الا ان تأثيراتها استولت على معظم الساحات الوطنية ومضاميرها الثقافية والابداعية ومثلي مثل اي محب كنت اقرأ بنهم وحب وسرية ما اصل اليه فقرأت اسفار ماركس وانجلس وكشوفات لينين بإعجاب ومحبة وادركت طبيعة صراع الاضداد والعامل الموضوعي والواقع المبني على هاجس من روح ثورية تؤمن بالوطن وتنحاز الى الطبقة الكادحة التي كانت اسرتي واحدة منها، اتخذت من جيفارا مثلا اعلى لي في ايام دراستي الجامعية ومن الرموز الوطنية للحزب الشيوعي العراقي وتضحياتهم واستشهادهم وتحديهم وهم على منصات الاعدام، وانعكس كل ذلك قبل منتصف القرن المنصرم على كل عطاء ابداعي وثقافي وفني وعلمي، ولذا يرى المتابع ان رموز نهضة العراق جاءت من اصلاب المسيرة الظافرة للحركة الشيوعية العراقية في الشعر والقصة والرواية والتشكيل والعمارة والنحت والمسرح والغناء وباتت عطاءاتهم تمور بأفكارهم الماركسية وارتباطاتها للعضوية بإنموذجهم التاريخي والوطني ولا يمكن الحديث عن اية لحظة جمالية عراقية الا بالحديث عن اثر الافكار اليسارية فيها وانعكاسات تلك الافكار عليها ورغم حملات من الدعم والتعسف والالغاء والتهجير والتعذيب ظل الفكر الشيوعي هو الانموذج الارقى المعبر عن تطلعات الشعب حتى يومنا هذا وما يشهده راهننا من عطاءات ثورية وفكرية هي نتاج عطاء الاسلاف والاباء المؤسسين وهم يكونون نذر العراق الجديد وأؤكد مرة اخرى ان الباحث يتلمس بوضوح اثرا كبيرا ساطعا في نتاج المشهد الثقافي والابداعي العراقي وانسجامه بل وانغماسه بآفاق وعطاءات الفكر اليساري وصل حد التماهي به والاندماج به بما شكل علامة فخر وسمة وعي امتاز بها المثقفون والمبدعون العراقيون بتواصلهم بفخر مع ذلك الفكر الانساني الخلاق.

وتقول القاصة رجاء الربيعي :
لربما انا اعشقه ليس ﻻنه حزب عادي، بل ﻻني ورثته عن والدي عن خالي عن جدي .. هكذا وجدتني شيوعية بالوراثة ومنه أخذت ثقافتي ووعيي. تعودنا عليه في بيتنا بين طيات كتب والدي واجتماعاتهم .. تعلمت منهم ان اخلق الحياة من العدم وتعلمنا منهم ان يكون الانسان مبتكرا للجمال، سنوات صعبة وعصية مرت عليه وما زال هو، لم ولن يتغير ،كل عام وابي وعمي وخالي بخير.. كل عام والحزب الشيوعي بخير، عهدا منا نحن اوﻻده، سنبقى نكمل مسيرة شهدائنا الذي قضوا تحت مذبح الحرية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان