كتاب الحقيقة

التقاعد، نهاية أم بداية ؟

قال الله تعالى :(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ).
العمل وحقيقة من يراه معادلة لديمومة القيم الإنسانية والحيوية الفاعلة لإستمرار الأهداف نحو استكشافات مغايرة للروتين المعتاد والمسيرة المألوفة لدى الناس والحماسة في تقديم الأفضل .وكثيراً منا من يعمل دون أن يأبه للتقييم أو انتظار الشكر لما قدم ،وهذا لا يعني انفصال القيمة العليا للوجود من خلال ما نقدمه من عمل في حياتنا وحياة الآخرين ،لأن في آخر الأمر نشترك جميعاً بشعور السعادة لو شعرنا أو استشعرنا اهتمام الآخرين وتقيمهم لما قدمنا وهو نتيجة حتمية للفعل ونتائجه التي تمنحنا تورّد الذات مقابل الجهد المبذول .فنظرية الثواب والعقاب هي معادلة للشعور بالعدل ومد الروح والعقل بممكنات الإستمرار .
والعمل كونه نورا يضيء حياة الإنسان من داخله ولمن حوله فهو ضرورة لوجودنا الفاعل في الحياة وقيمة حجمنا في هذا التكوين البيئي والإنساني ،وبدونه تحل العتمة والكآبة والسلبية في كل مفاصل الوجود مما يعكس على تكوينات الفصل الحياتي بما يشتمل مكونات هذا الوجود ،فما ينفع الناس مردوده إيجابي على فاعل النفع وبالتالي يحرك مشاعره ايجابياً نحو الحياة والتضحيات التي رافقتها .
(( أهم شيء تعلّمته على مر السنين هو الفرق بين أن يأخذ المرء عمله مأخذ الجد وأن يأخذ نفسه مأخذ الجد .الأمر الأول مطلوب للغاية ،والأمر الثاني يؤدي إلى كوارث ) من اقوال مارجوث فونتين ..هذا ماتفرزه تجارب الكبار من العاملين في وظائفهم بإخلاص وتفان، ومن يعمل بأنانية ونرجسية عالية وحفظاً لمصالحه الضيقة .
فالتقاعد هو النهاية الحتمية في قوانين الدول حيث يتوقف الشخص فيها عن العمل تمامًا. وتتم إحالته عندما يصل مرحلة من العمر يكون فيها غير مؤهل للعمل بسبب كبر السن ،ويحصل في أغلب الدول على نصف الراتب الذي يتقاضاه أثناء الخدمة ومعظم الدول المتقدمة لها أنظمة توفر معاشات التقاعد لموظفيها وذكرته في دساتيرها لاسيما ألمانيا أول دولة تدخل نظام التقاعد في دستورها 1880  لضمان معيشة كريمة لموظفها كاستحقاق إنساني لما قدمه من خدمة ليتسنى له العيش الكريم بعد كل ذلك .
لكن هل التقاعد هو نهاية الفكر والعطاء للمتقاعد وكأنها نهاية مأساوية لما تبقى من حياته التي ستكون بعيدة عن العلاقات العملية والاجتماعية عن الناس ؟ أم هي بداية لاستعادة بعض الراحة للجسد والفكر لممارسات جديدة تؤنس  النفس بما تستحق ؟
هذا ما يدور في بال أي متقاعد حين يستلم ورقة التقاعد بدموع حسيرة ونفس كسيرة وكأنها لحظة موت الروح والكيان في المنظومة الاجتماعية والعملية ونهاية كونه شخصا مهما في دائرة التأثير الحياتي ،وارتباطها بسلبيات التفكير على إنه لم يعد شخصاً منتجاً واقترابه من فكرة مغادرة الحياة . هذا يعتمد على الأنظمة والطريقة التي يمنح فيها الشخص فكرة التقاعد من خلال استغلال خبرته المعرفية والعملية  كمستشار أو غيرها في مؤسسات تقوم على ذلك خصيصاً وبطريقة حقيقية ومنتجة ،لأن العمل عبادة وعافية لديناميكية الوجود الإيجابي .فليس من السهل مفارقة العمل المعتاد والتفاصيل الشاغلة للعمر والابتعاد عن عمل اعتاده سنين طوال وناس عاشرهم بقوة التفاصيل والاعتياد والعشرة اليومية بكل تفاصيلها .فالبعض يعتبرها تهميش لوجوده وفقدان لقيمته بين ناسه ونفوذه الفاعل بين الأصدقاء والأقارب والعائلة .
لذا على الشخص المتقاعد أن يعتاد على فكرة ان لكل شيء نهاية كما لكل شيء بداية ،واستغلال فكرة تواصله بنشاطات مختلفة وأعمال جديدة تجدد حيويته وتواصله مع من حوله .كما على الجهات المسؤولة  أن توفر مجالات تعين المتقاعد ممارساتها والاستفادة منها ماديا ومعنوياً كي لا يستسلم لفكرة إنهاء ضرورة وجوده في الحياة وتجنب التأثيرات السلبية على نفسية وذات المتقاعد .وهنا لابد من الإشارة إلى الممارسات الرتيبة والمشينة بحق إنهاء معاملات التقاعد للموظفين وكأنها استجداء واستهانة ،بدل التكريم عن عمر وجهود كاملة .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان