كتاب الحقيقة

الحلول المتأخرة لاتنفع

   منذ عقود خلت لم يتحرر العراقيون من دوامة البحث عن حلول لمشاكلهم، ومن سوء طالعهم أن بحثهم الدائب كان دوما دون جدوى، كما أن سعيهم الدائم الى التغيير سيظل على ما يبدو حلما لا يقبل التحقيق، وما يخشى منه أن يتحول ذاك الحلم الى كابوس لامناص من الخلاص منه، ولا فائدة ترجى من اجترارهم إياه على مدى أيام سنينهم العجاف. والمؤسف في أمرهم أنهم نأوا عن أقرانهم من سكان المعمورة في بحثهم هذا، حتى صار شغلهم الشاغل بدل البحث عن ما يعينهم على مواكبة التطور الذي تعدو فيه بلدان العالم عدوا، وتجري فيه جريا في سباق وتحدٍ لا يتوقفان.

   إن الحديث عن مشاكل السنوات الأربعة عشر الماضية بات عقيما، ولا جدوى من الخوض فيه، ذاك أن أس المشاكل وأساسها يتجدد ويتحدث كل حين بطريقة الـautomatic update  وعلى ما يبدو أن هناك متخصصين باستحداث المشاكل، والإتيان بالجديد منها بين الفينة والأخرى دون كلل او ملل، إذ ما فتئنا نعيش همومنا المتزايدة من يوم إلى يوم، ومن عام الى عام، ومن حكومة الى حكومة، ومن دورة الى أخرى بالتعاقب والتتالي الحثيثين، فكأن الحزن مختوم على قلوب العراقيين منذ عقود، بل قد تكون قرونا مضت. إذ عكس ما يشغل سكان الأمم التي تلت حضارتها حضارة بلاد وادي الرافدين، تشغل بالنا اهتمامات يومية عديدة، تبعدنا عن العمل الجاد لبناء وطن آمن وسعيد، وأنّى لنا بناء وطن وهو واقف على شفا هوة سحيقة الأعماق؟ وبطبيعة الحال فقد عزز هذا المآل المزري شعور الخوف، الخوف من المستقبل، فهو الآخر لبس لباس التجدد والتحديث، وأضحى يسد منافذ الأمل، ويغلق سبل التفاؤل، لاسيما أن الرؤوس التي تعاقبت على حكم البلاد، لم تأتِ بالنافع والمفيد، بل أن الخراب والنكوص كان سمتها البارزة في أداء أعمالها. 

  فلو استذكرنا يوميات العراقيين في الأعوام السابقة، تبرز صورة التشكي والتذمر والامتعاض فيها، إذ ما اجتمع عراقيان صباحا او مساءً، في حل وترحال، إلا وذهب بهما الحديث الى الترديات والإخفاقات بمفاصل الحياة في البلد. وهو الهم الذي باتت علامات الاستفهام والتعجب تتسع فيه، وأمست أصابع الاتهام لاتكفي لعد الأسباب وتعداد المتسببين به، فعشرة أصابع لا تفي بحساب الأعداد الهائلة من الشخصيات التي تقف وراء هذا المصير الذي آل اليه البلد. فبدءًا.. الهم المتوارث في كل عام والذي يتعلق بالموازنة العامة للبلد، فقد تجاوز سقف الهموم وتناسلت منه هموم أخرى كثيرة.. كما لتفشي الفساد المالي والإداري في مفاصل المؤسسات والجهات المسؤولة عن الخدمات باع طويل وحضور فعلي في جملة الهموم المتراكمة، والذي يحزن المواطن المهموم أنه في واد وساسته ومسؤولوه في واد، وما همومه كلها إلا نتاج صراعات ومناكفات و(مناگرات) ساسة وكتل وتكتلات وقوائم وأحزاب، كان حريا بهم جميعا ان يوحدوا النية ويحسنوا التصرف ويجدّوا العمل، لتلد لهم مجتمعة قرارات صائبة، تسفر عن أداء جيد في الواجبات خالٍ من التقصير، وبالتالي تنجلي هموم رعيتهم بالحلول الناجعة التي تأتي بالتوقيت المناسب، لابعد فوات الأوان، كما قال شاعر:

أتت وحياض الموت بيني وبينها

وجادت بوصل حيث لاينفع الوصل

ولحى الله شاعر الأبوذية الذي حاكى هذا البيت حيث قال:

ضلوعي من الحزن مالت وحنت

وگربت ساعة افراگك وحنت

جادت بالوصل هسه وحنت

وبيني وبينها تحوم المنيه

aliali6212g2gmail.com

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان