ثقافية

التوتر الوجداني في تركيب الصورة الشعرية قراءة نقدية لنص ( مليكة الأقحوان) للشاعر شلال عنوز

بقلم الناقد /عباس باني المالكي

 

مليكة الاقحوان

 نص/ شلال عنوز

(1)

بقوة خذيني…

دعيني … أتوهُ… …

في عبق وشوشة الحب …أثمل في تأجج غبش اللقاء

أُعانق همس أنفاسك

أغرق في زُرقة الأماني

يُسكرني عبق مياسم النَّدا

تشربني النشوة

لذائذَ ضوع مُستفز

طائراً أحطُّ…

على جبل غنج  البرتقال

أمسكيني … تعلّقي بي

أنا طائرٌ  … …لايحط الاّ على انوثة المدن

ولايطير الاّ في سماوات الزُّرقة

أُقبّلكِ مِن أخمص قدميكِ المُزجّجتين

حتى جبهة القَمْر

فما خُلِقتِ الّا لتكوني مثابة للقُبَل

سيّدتي يامليكة الاقحوان…

(2)

ياأميرةَ الثلجِ…التي أدمنها الزّمهرير

متى تشتعلين براكين شهيق تكتسح شراسة البرد ؟

تضجّين عاصفة من عصافير؟

أغطّيكِ بعنف غليان العناقِ

أيّتها الأُنثى القُطبيّة الغافية في

 هدهدات الحُلم الخريفيّ

الموغلة في عبث الحروف

أنهاراً من مساءات حالمة

أيتها المتربعة  على عرش سعار القلق

أشعلي حمحمات الصهيل لتلدَ

قوافلَ أمنيات خضراء…

مهرجانات  فرح

كركرات يتبعثر عليها صخبي.

إن التجاذب النفسي مع الرموز    التي  تقربنا من أحساسنا  الداخلي  تجاه  كل  الأشياء  التي نعيشها  ,  تخلق فينا  معاني تتوهج  حسب  المشاهد  الروحية ووفق انتمائها  الى  الذات ، حيث تصوغ هذه  الرموز  هواجسنا  بالمعاني التي  تعبر  بشكل  كبير  عن عواطفنا  تجاه  من نحب  أو نكره حسب  تقارب تلك المسميات  أو بعدها  التجاذبي  مع الدفق  الشعوري التصوري ،  وهنا نجد  الشاعر  شلال  عنوز في نصه  (مليكة الاقحوان ) أستطاع  أن يحكم المسافة ما بين الذات وتلك   المسميات  بشكل عاطفي مفعم   بالتوهج  داخل  مساحات ذاته   , أي أن النص لدى الشاعر هو مساحة الصدق التي تنتمي لذاته وفق امتزاجها  أو تطابقها كليا مع إحساسه الوجداني، و تكون ذاته هي المعبرة عن  مخاضها تجاه كل ما يشعر  دون أن  يترك  تلك الإحساسات  تأخذ نمطها الحسي  في تركيب  تلك المشهدية  ،  و الشاعر يعيش  ضمن أنماط ذاته  الروحية  والتي هي تعبّر بشكل كامل عمّا يريد أن يضع  مشاعره ليس في  إحساساته الجسدية  بقدر ما يريد أن يرى  شعوره  الروحي , أي  أن النص لدى الشاعر  هو  التخيل  الروحي تجاه مخاض الشعور التأملي  ضمن دلالاته  النفسية  ، التي تعطي الرمز  طاقة روحية تأخذ كل  المساحات  الرمزية تجاه ما يحب  ، وبهذا يتحول  النص عند الشاعر الذي هو قلق  روحي تجاه سياقات  ذاته الحالمة بانفتاح   العالم  على شعوره  الروحي الى مايروم  نمط تصوره  الفكري …

 

(1)

بقوة خذيني…

دعيني … أتوهُ… …

في عبق وشوشة الحب …أثمل في تأجج غبش اللقاء

أُعانق همس أنفاسك

أغرق في زُرقة الأماني

يُسكرني عبق مياسم النَّدا

 تشربني النشوة

 لذائذَ ضوع مُستفز

طائراً أحطُّ

على جبل غنج  البرتقال

هنا  يحدد كل ما يريد أن يصل إليه  من خلال  ما يحب في تلك اللحظة  والتي  يريدها  تأخذه  الى  حد تفجّر  السكون الذي يعيشه من الداخل  من  خلال  البؤرة الانفجارية والدلالية  التي  تربط  ذاته  من الداخل و مع مايرسمه ومايمتلكه من تصور للحبيب ، وهذا يأتي من خلال الحركة  الاستدلالية التي تعيشها ذاته  وسط  هذا الصمت   والركود  المتراكم   في ذاتية   الإحساس نحو  كل شيء  في  ذاته ،  والتي تسعى   الى إيصال   هذه الذات الى مشارف  الانفعال   لكي يحقق  السرور   الداخلي والنشوة ، وما يجعل من مناشداته   إلا  إيجاد  التحرر  الكامل من هذا السكون من خلال  الإغراق  بمن يحب لأنه  يجد أنه لا يستطيع أن يحقق   التحرر  الكامل من جموده النفسي  إلا  بالطاقة   الحركية لفعل  الذات  تجاه   الحبيب  لأنها تجعله  في حالة ترابطية حميمية  و يعيش العنفوان  والنشوة الداخلية (بقوة خذيني… /دعيني … أتوهُ… …/في عبق وشوشة الحب …أثمل في تأجج غبش اللقاء /أُعانق همس أنفاسك /أغرق في زُرقة الأماني /يُسكرني عبق / مياسم النَّدا /….. تشربني النشوة) أي أنه لا يستطيع الخروج من  أزمته إلا  من خلال  الإغراق  بمن يحب لكي يصل   الى  حدود النشوة  العامرة  بالتيه  و  من خلال  التلاشي  والذوبان  فيها ،  والشاعر شلال  عنوز  استطاع أن يحقق  من خلال  اللغة المتوهجة ذلك الترابط  الحي  والصوري  ضمن مساحة  تصوره   الفعلي  بالرغبة  الى من يحب ،  ونشعر أن الشاعر أعطى لمفردات   اللغة  ذلك  الدفق الشعوري الذي  يضيء  كل زويا الذات التي لا تستطيع أن تصل الى هدفها   إلا من خلال  الآخر ،  لأنه يشعر أنه متلاش داخليا  لا قدرة  له على النهوض  بذاته إلا من خلال الإمتزاج   بحبيته  ،  لكي يصل الى عالم نابض  بالحياة (في عبق وشوشة الحب …أثمل في تأجج غبش اللقاء )والشعر  ليس تحكمات   مجازية  ودلالية  بل  هو إيقاع  انفعالي  مرتبط  بالتوتر  الوجداني  الذي يوصل  الى  الصورة  الشعرية المجاورة   الى إحساس  الذات  بانتمائها   التصوري ،  لهذا  نجد  الشاعر  شلال  استطاع  أن يبني  نسقه  الشعري   ضمن النسق الشعوري  لهذا  التصور   وهذا  ما جعل  النص  لديه صورة متتالية  مرتبطة مع بعضها  من  خلال  المعنى …

 

أمسكيني … تعلّقي بي

أنا طائرٌ  … …لايحط الاّ على انوثة المدن

ولايطير الاّ في سماوات الزُّرقة

أُقبّلكِ مِن أخمص قدميكِ المُزجّجتين

….حتى جبهة القَمْر

…فما خُلِقتِ الّا لتكوني مثابة للقُبَل

سيّدتي يامليكة الاقحوان…

ويستمر  الشاعر  بمناشدة   الحبيبة أن تعطي كل لحظات  العنفوان , وهنا  الشاعر أعطى الى أبعاد  الاستعارة الصورية أبعادا نفسية , فالأنوثة ما هي  إلا أبعاد  الترابط  بين وجدانية الفكرة لديه  ومجازية الاحساس  التي تتمثل مع  رموزه  الحية  داخل ذاته (أمسكيني … تعلّقي بي /أنا طائرٌ  … …لايحط الاّ على انوثة المدن ) والأنوثة  هنا التصور  المجازي تجاه الحياة  ، فهو طائر لا يحط إلا على انوثة   المدن ، أي الفعل  لديه ما هو إلا مسك  أنوثة   الأشياء  ومسمياتها  الحياتية , لكن من خلال اللحظات الصافية (في  سماوات الزرقة ) واللحظات  التي تمثل  انتماء ذاته الى   النقاء  والصفاء  كالسماء  الرزقاء  ،  وكل ما يريد  الشاعر أن يعبر عنه هنا  ، إن لحظة الانتماء هي لحظات  الخلاص  والانفكاك  من  لحظات  السكون  الى اللحظات  الأكثر حيوية  وأكثر اقترابا  من ذاته  التي ترى الأشياء  وحسب صفائها  ونقائها ، أي أن لحظات  الجذب عنده هي اللحظات  التي يرى فيها  نقاء الانتماء  ،  لأنه لا يعيش   إلا بالانتماء الحميمي تجاه من يحب (ولايطير الاّ في سماوات الزُّرقة /أُقبّلكِ مِن أخمص قدميكِ المُزجّجتين /….حتى جبهة القَمْر/…فما خُلِقتِ الّا لتكوني مثابة للقُبَل /سيّدتي يامليكة الاقحوان…) فلحظات  الكشف  تبدأ  من الأرض( أخمص قدميك)  الى  السماء جبهة القمر )  لهذا تتسع عنده  الفكرة الاستعارية في مجازية تحديد كل ما يوصل ذاته  الى عمق الارتباط  مع من يحب ،  أي أنها ليس لحظات عابرة بقدر ما هي لحظات  حميمية ترابطية ،  لأنه  لا يجد  نفسه إلا من خلال  هذا  الترابط  الصميمي الذي  يؤدي بذاته الى العنفوان  والنشوة الحقيقية … 

ياأميرةَ الثلجِ…التي أدمنها الزّمهرير

متى تشتعلين براكين شهيق تكتسح شراسة البرد ؟

تضجّين عاصفة من عصافير؟

أغطّيكِ بعنف غليان العناقِ

أيّتها الأُنثى القُطبيّة الغافية في

  هدهدات الحُلم الخريفيّ

الموغلة في عبث الحروف

أنهاراً من مساءات حالمة

أيتها المتربعة  على عرش سعار القلق

أشعلي حمحمات الصهيل لتلدَ

قوافلَ أمنيات خضراء…

مهرجانات  فرح

كركرات يتبعثر عليها صخبي

إن التلاصق  المعنوي مع  الهاجس الذاتي  يتيح للشاعر  أن يأتي بصور تخيلية قريبة  الى أحلامه والتي نراها في المسميات كحالة  رؤيا مجازية  لكي  يرتب الفكرة الشعرية  وفق  تلك الهواجس التي  يعيش مخاضاتها  من الداخل (ياأميرةَ الثلجِ…التي أدمنها الزّمهرير /متى تشتعلين براكين شهيق تكتسح شراسة البرد ؟ /تضجّين عاصفة من عصافير؟ /أغطّيكِ بعنف غليان العناقِ /أيّتها الأُنثى القُطبيّة الغافية في /………………… هدهدات الحُلم الخريفيّ /…………….الموغلة في عبث الحروف /………………………..أنهاراً من مساءات حالمة) والشاعر هنا بقدر  ما يريد أن يحقق  التوهج  الكامل  بالحبيبة  ولكنه  يريد هذا  كلحظة صافية  نقية (تضجين  عاصفة من عصافير )  أي أن الاشتعال عنده هو زمن اقتران كامل  مع من يحب  , ولكن لا يتحول هذا الاشتعال الى عبث رمادي ، أي يريد أن يحافظ عليه من  خلال الانتماء  الحقيقي  ويتم  هذا  من خلال  تمسكه  بها  كأنها لحظة  لا يهدهدها  الخريف ،   لأنه  يرى فيها ذاته التي  تسعى الى  النقاء   لكي  تبقى   لحظات اشتعاله   مستديمة لا يهزمها أي زمن وتكون خارج  الزمن العابث بمصرية انتمائه  لحبيبته  (هدهدات الحُلم الخريفيّ /…………….الموغلة في عبث الحروف )  رغم  أنها  أنهار من مساءات  حالمة   لكنها الحقيقة التي يعيشها  ومتمسك بها (أيتها المتربعة  /على عرش سعار القلق /أشعلي حمحمات الصهيل لتلدَ /……………….قوافلَ أمنيات خضراء… /……………….مهرجانات  فرح /…………….كركرات يتبعثر عليها صخبي ) فهو يريد  من كل هذا   الأشتعال والامتزاج أن يصل  بكل زمنه  الى  قوافل  الأمنيات  الخضراء  ومهرجانات  الفرح  , وتحقيق   هواجس ذاته   بالأمنيات  التي توصله الى الفرح الحقيقي  رغم ان هذه  الأمنيات هي أمنيات  مسائية لكنها تمثل  له كل  الأماني التي يريد  أن يعيشها فهي تمثل له الفرح  والكركرات   ، وطبعا هذا  لا  يأتي  إلا من  خلال الامتزاج  والاشتعال   الكلي  مع حبيبته (مليكة الاقحوان)  التي يرى فيها كل ما يخلص ذاته  من كل هذا السكون  الداخلي كي يصل الى مشارف  النشوة  والفرح .

الشاعر  شلال  عنوز يركب  الصورة الشعرية  ضمن الوعي للهاجس  الوجداني  الذي يعطي امتدادا أفقيا  في  تركيب   جملته  الشعرية ،  وهذا يأتي من خلال  الوعي اللغوي بقيمة المفردات وتراصفها لكي يحقق  الإيقاع المتوتر  ضمن هرمونية  فكرة النص  والذي يمتد بامتداد الرؤيا  التي تثبّت الدلالات  بشكل يقربها من مدلولها  الإشاري ، كي يحافظ على  توهج تواتر الدلالة المعنوية داخل  وجدانية   الرؤيا للنص .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان