كتاب الحقيقة

عن الولاء والانتماء

 

   احتفلت دول العالم قبل أيام بيوم الأرض، هذا اليوم الذي غاب عن ذاكرة كثير من العراقيين، كما نسوا عيد شم النسيم وعيد رش الماء، وغيرهما من الأعياد. ولم تكتفِ بعض الأمم بإقامة طقوس الاحتفال ومراسيمه بيوم واحد، فامتدت أكثر من هذا، حتى أنهم أطلقوا على المناسبة أسبوع الأرض، إذ أولت اهتماما كبيرا بهذه المناسبة، إيمانا منها بأن الأرض التي تحملنا تستحق منا التفاني في إيلائها حقها. وما حق الأرض يقتصر على الحرث والسقي، أو يقف عند العناية بالمحميات الطبيعية أو المساحات الغناء، بل هناك ما لايقل عن هذا الواجب، يحتم على من يعشق أرضه أن يتحلى به، ويمارسه يوميا وتفصيليا، ذاك هو الولاء لها، والشعور الصادق بالانتماء اليها. وقد أنذرنا بارئنا في كتابه المنزل، عن الذين يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، ويا لسوء طالعنا نحن العراقيين، إذ حل الأخيرون على أرض بلدنا (فلاحه ملاچه) واستحلوها بما أوتوا من قوة، فحل معهم الإفساد وشاع الفساد على أشكاله وأصنافه وأنواعه جميعها، ماليا وإداريا وسياسيا، أما سفك الدماء، فالحديث عنه لايبدأ بحادثة، ولاينتهي بممارسة، ولا تصفه أقاويل، ولاتسرد مآسيه قصص وروايات وحكايا.

  أذكر مقولة اجتمع على الادلاء بها رواد سفينة الفضاء دسكفري عام 1985، والتي أحد روادها عربي وهو سلطان بن سلمان، فكما يروون أن كل فرد فيهم راح يشير الى بلده كلما ارتفعت مركبتهم في كبد السماء، حتى خرجوا عن نطاق الأرض الجوي، ولم يعودوا قادرين على تمييز هذا البلد عن ذاك، إذ أضحت الكرة الأرضية بمجملها أمام أبصارهم، فوصفوا حالهم إذاك بقولهم:

(عندما رأينا الكرة الارضية من الفضاء، لم يشعر اي منا انه امريكي او عربي او روسي او ياباني او هندي، كانت تلك الكرة الهائلة تمثل بيتنا الصغير جميعا).

 فكم هو رائع الشعور بالانتماء. وما أجمل أن يجعل الانسان للأشياء قيمتها وهو في محك وتعاطٍ يومي وتماس مباشر معها. فطيلة الاسبوع المنصرم أقيمت في بلدان العالم حملات كثيرة لزرع النبتات وتنظيف الشوارع، تعبيرا عن الولاء للبيت الكبير الذي يضمنا جميعا، بيتنا الذي تبلغ مساحته (510,066,000 كم مربع) برًا وبحرًا، أليس حريا بنا ان نوليه اهتمامنا، وهو الذي يجود لنا بخيراته. 

   ومن هذه المساحة الشاسعة كلها هناك رقعة مساحتها (438317) كيلومترا مربعا، هي أم الارض، هي مهد الحضارات، هي مهبط الأنبياء، هي مرقد الأولياء والأوصياء، هي منبع العلوم والفنون والآداب، هي أرض الرافدين، هي العراق. كم يكون الجواب محزنا لو استطلعنا عن عدد العراقيين الذين يعرفون ان يوم الارض صادف يوم الثاني والعشرين من الشهر الجاري! ولِمَ لم يعرفه الباقون؟ ومن المسبب في ذلك؟ وكيف يحصل في بلد عرف منذ القدم بكثرة الشعراء والكتاب والفنانين؟ وتستقصي بنا الأسئلة الى ان نغرق في دوامة تموج بعلامات التعجب والاستفهام، والاجابة ليست صعبة، لكنها مُرة. فأنّى للعراقي ان يعرف يوم الارض او يوم الحب او يوم الشجرة او يوم شم النسيم، وهو لاهث بين الخوف والخبز والموت والمنفى، وما ذلك إلا بفضل الـ (ساسة والسادة) المسؤولين الذين تعاقبوا وتناوبوا -على مر العقود- مسك السياط وجلده لأنه عراقي فحسب، عاش حياته مذ وعى لايعرف غير (جاك الذيب جاك الواوي) معذور انت ياعراقي، كيف يتسنى لك تمييز الأعياد والأيام وانت كما يقول المتنبي:

لا يعجبن مضيما حسن بِزته

             وهل يروق دفينا جودة الكفن؟

 

aliali6212g@gmail.com

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان