يقدر العلماء عمر كوكب الأرض حوالي 4.54 مليار سنة، ومن المؤكد أن عمرا طويلا كهذا لا يحصر استذكاره يوم واحد للاحتفاء به، فقد استذكر العالم الأرض التي تحملهم يوم 22 من الشهر المنصرم وأسموه يوم الأرض، وقطعا ما من مخلوق إلا وكان له في الأرض مسكن او موطن او موطئ قدم، يحط فيه رحاله ويستكن عنده الى حين، والحين هذا سواء أبعُد أم قرب! فإن الأرض ستكون أيضا مأواه الأبدي، وكما قيل:
نأكل الأرض ثم تأكلنا الـ
أرض دواليك أفرعا وأصولا
فالأرض إذن، كما نقول (منها وإليها)، فكل ذي أربع وذي إثنين لاسبيل له في المكوث إلا على الأرض، بل حتى كل ذي جناحين، فمهما علا وسما لابد له من رجوع الى الأرض، وقد قيل في هذا: “ماطار طير وارتفع إلا كما طار وقع”.
أذكر خبرا نشرته وسائل إعلام أمريكية قبل بضع سنوات، وقد كان يوم الأرض، أشارت فيه الى أن مواطنا أمريكيا (بيلي تيتليف 73 عاما) كان قد قدم اعتذاره أمام الملأ، وتناقلته وسائل الإعلام، واللافت للنظر أن اعتذاره لم يكن شفهيا فقط، بل أنه قام بزرع شتلة ورد في حديقة عامة، قال انها تكفير لذنب اقترفه قبل أربعة وخمسين عاما. نعم، أربعة وخمسون عاما مرت ولم تنطفئ جذوة الشعور بالذنب عند هذا الرجل، وهذا يدل على صحوة ضميره وسمو مشاعره الإنسانية وإيمانه أن “كلنا خطاؤون”..! ويبدو أنه أراد أن يكون خير الخطائين فارتأى التوبة بطريقة خاصة يضرب بها عصفورين او أكثر، فهو اعتذار وتوبة، وفي الوقت ذاته تعبير عن حبه لوطنه والتصاقه بأرضه التي يقف عليها. أما الذنب الذي اقترفه (بيلي) قبل أكثر من نصف قرن من الزمان، فهو أنه قطف من الحديقة العامة ورودا يومذاك، بعد مباغتته حراس الحديقة ليهديها الى امه في عيد الأم، إذ لم يكن يملك نقودا لشراء هدية لها.
ان شعور (بيلي) ماهو إلا ولاء مطلق لوطنه الذي يعده بيته الكبير، كما أنه احتسب حديقته العامة حديقة منزله، وبالتالي فمن المؤكد ان جميع مرفقات هذا الوطن يعدها جزءا من مقتنيات بيته، فصار المال العام والخاص عنده سيان. ولا أظن ان (بيلي تيتليف) هو الوحيد الذي يملك هذا الشعور, فلدينا نحن العراقيين كثير من أمثاله، لدينا من لايقطف وردة من حديقة عامة، ولدينا من لايرمي عود ثقاب في الشارع، ولدينا من يحترم الإشارة الضوئية، ولدينا كثير ممن يعشقون ارض العراق وماءه وسماءه، ويكنون ولاءهم لترابه، إلا ان شعورهم السامي هذا لا تسلط عليه الأضواء، بل هو مركون في زاوية حصره فيها شخوص يكنون الولاء المطلق لجيوبهم، ولمنافعم الخاصة ومآربهم الشخصية او الفئوية، ويؤثرون المال الخاص على العام، بل هم لايتوانون عن سرقة العام، وضمه الى الخاص دون خجل او رادع او وازع، فهؤلاء باعوا الولاء واستبدلوا الانتماء لتاريخهم العريق بالأغراض الدنيوية، والأخيرون لسوء حظ العراقيين كثر، لاسيما الذين لهم من المناصب ما يمدهم بنفوذ وجاه، يظنون أن استغلاله فرصة لاتعوض ولاتكرر، فراحوا يعيثون في الأرض فسادا إداريا وماليا، فظلموا الناس وأنفسهم على حد سواء، وأنستهم مراكزهم الوظيفية العليا، أن من لم تكن أصوله متجذرة في أرضه، تهزه الريح وتقتلعه ولو بعد حين، وسيأتي يوم يُجزَون بما صنعت أيديهم، ويُعطَون على حد قول مثلنا؛ “كلمن طينته بخده“.. وسيُخلعون مما هم فيه من نعيم وجاه وسلطان شاءوا أم أبوا! وسيكون مصيرهم كمصير ابن زريق البغدادي يوم قال:
أُعطيت ملكا لم أحسن سياسته
وكذاك من لايسوس الملك يُخلعه
aliali6212g@gmail.com





