كتاب الحقيقة

لا يثمر الأثْل

أخذتني الدهشة في افتعالات البعض لتلويث الجو بشحنة الخبث والعداء وحرق ما تبقى من قليل الهواء الذي يمر بالعراق عنوة بسبب دخان الحروب والتفجيرات والخيانات وما يشاكلها من أحداث  يعانيها العراق ومن يعيش فيه مرغماً أو هكذا تحول الأمر ولا نملك  شجاعة الفراق والتفرد بسبب الانتماء الفطري أو القسري ،وليس الدهشة فقط بل الذهول من امتلاك البعض صفات الحجر والضجر وللتهرب من الإجابة المقنعة لكل ذلك أقترب من الرومانتيكية في رؤية الأشياء ،والتي ذكّرتني  بمجموعة الشاعر الصديق طالب السليم لا يثمر الأثل وربما ورودها في الذاكرة لأنّي رسمتُ لوحة الكتاب وصمّمت غلافها ..(لا يثمر الأثل) حينها بحثت بالمعاجم حول أصل هذه اللفظة فوجدتها أثل :وجمعها أثول .وهي شجر طويل مستقيم الخشب جيِّده يكثر قرب المياه في الأراضي الرملية ،وتصنع من القصاع والجفان، وثمره حبّ أحمر لا يؤكل خشبه ، فالأثل يشبه كثيرا من الناس بسلوكهم الذي لا يثمر ولا ينفع بل واعتقادي بأنني ظلمت هذه الأنواع من الأشجار لأنّها تمنحنا المنظر وتشترك بعملية التبادل الغازي في معادلة الجو بالرغم من كونها لا تؤكل فالأشجار بطبيعتها ، بعضها يثمر وبعضها لا يثمر لكن بعض الثمار لا تؤكل مع كونها زينة للناظرين أو دواء لبعض أنواع الداء ،فبعض الناس منتجون وبعضهم مستهلكون وبعضهم متفرجون وبعضهم لا يسلم أحد من شرّه لأنه تركيبة من شر وحقد وحسد ولا يستسيغ الهدوء ويجد في المشاكل طعماً أو حلّاً لذاته المأزومة .أغلبنا نحاول جاهدين تجاوز المناطق المُختنقة أو المُخنقة لكنها باتت تسري في أغلب مناطق التجوال الروحي والفكري .هنا يكرر السؤال نفسه ،أين المشكلة الحقيقية ؟؟ أين الخلل ؟؟ ما الأسباب  ؟؟ 

وأغلبنا هنا يبعد عن نفسه فكرة تحمله جزءا من المسؤولية ،أو هو جزء من الخلل ،وهو أحد أسباب الفشل العام بتنقية المناخات . كلمّا توغلت في حالة ما وجدت أنّنا جميعاً مشتركون بصناعة الخلل من حيث ندري أو لا ندري .وهنا بالتأكيد لا ينفع تبرئة أرواحنا ،أو المكابرة في اتهام أنفسنا أو حتى الوقاحة في ردع التهم عن شخوصنا ،فذلك يجعل الحل أكثر استحالة في التغيير أو المشاركة في مصارحة عامة ومكاشفة لعبور ذلك وكيفيته .

من أبسط أشكال ضعفنا هو التبرير لترك ما حولنا لأننا أكبر من ذلك والحياة أقصر من أن نهدرها بالتفكير بالرعناء والجهلاء والمتخلفين والمخالفين بالرأي والمكشوفين في قوائم الخيانة والسرقة والعهر و و و …..، وبالتالي تضيق مساحة الوضوح وتتسع مساحة الظلام ،وتضيق مساحة الفهم لتتسع مساحة التيه والحيرة والشكوك ، هذه الآفة التي تنخر وجودنا معللين أي تقصير بعدم مسؤوليتنا ورمي الأسباب على الغير ،أي غير !!،المهم لسنا نحن .وبالتالي يترنح البعض بأنه أنتج وحقق ما عليه وكفى والأدهى إنه مبهور بذلك .

بالتالي لا أحد يشعر بالخجل ،لا أحد يشعر بالتقصير ،لا أحد يضع نفسه في ميزان المعايير ليكتشف وزنه ولا يحب رؤية حاله في المرايا ليكشف عورته أو حتى قبحه المستشري في جسد الحياة والناس والمفاهيم .بالتأكيد سيعترض البعض على هذه الجمل إلا إننا نعرف جميعاً لا يمكن  التعميم في كل شيء أو في نسب هذه الصفات في بعضنا ،بالتأكيد تربيتنا الاجتماعية والدينية والفكرية الثقافية تحدد هذه النسب ،ولسنا أنبياء مصطفين ، لكننا علينا الاعتراف بعدم أهليتنا للقيادة والثورة والتغيير ونتعكز على كلِّ يفقد الثقة بالكل ،وتلعب الذات والأنا دوراً كبيراً في رسم الخطى نحو فشل متكرر أو تنصل دائم من المسؤولية  نحو غدٍ لا تتضح له ملامح تليق بالصباحات العذرية ولا المساءات المتلذّذة بعطر الشبوي الذي فقدته حدائق أرواحنا في مساحات تصلح لأشجار تشبه الأثل والأثل فقط . 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان