سيظل العلماء المسلمون يتحملون المسؤولية التاريخية امام الأجيال القادمة لعدم اهتمامهم وعنايتهم بالأصيل من تراثنا وإشاعة التعرف به دراسة وتحقيقا ، ليكون نبراس لتقدم الأمة والنهوض بها في ظل حالة الصراع الفكري بين الماضي بما يحتوي من نصوص ومعارف جامدة ظهرت في ظروف خاصة وحققت مشارف حضارة ناهضة في العصور الوسطي وما بين تلك المنجزات الحضارية الاروبية الفكرية والعلمية الفائقة ، فالبعض أصيب بدهشة كبيرة أثارت عنده حالة من الصدمة الحضارية حيث أدرك بأننا في حالة ابتعاد مكاني وزمني عنها ، والبعض نظر الى تلك المنجزات الفكرية والعلمية على انها رجس من عمل الشيطان ويحاولون شن حالة من حالات الهجوم الرافض عليها واعتبار اي خضوع لها هو حالة من حالات الكفر بكل التراث الفقهي الإسلامي ،على الرغم من ان الاوربيين قد جسموا قضية التراث والمعاصرة منذ عدة قرون وتوصلوا الى عملية التوفيق بينهما بالشكل الذي يمكنهم من الاحتفاظ بكل ماهو أصيل يصلح للوقت الراهن ولا يختلف عليه، الا إننا في العالم الإسلامي مازلنا مختلفين حول ماهية التراث وأهميته فيما هو قائم الان ووجدنا ان المشتغلين في تلك القضية الشاقة انقسموا الى فرقين احدهما يقدم التراث بشكل سطحي لا قيمة له، واخر يقدم التراث بشكل جامد غير مفهوم من مقاصده دون تحقيق ادنى استفادة من مناهجه التربوية في أمورنا المعاصرة، على الرغم من ان الغرب الاوروبي قد اخذ من مناهج الحسن ابن الهيثم وابن خالدون لانهم أدركوا ان تراثنا العربي يزخر بكثير من القضايا العلمية والفكرية ما تستحق الدراسة والبحث لتقديمها بشكل أكثر توضيحا وتحقيقا واستفادة من مناهج التفكير العقلي في كل مناحي الحياة ، وعلينا ان نكون على قناعة تامة بان كل ما كتب في الماضي لا يستحق الاحياء والتداول الان ،لان محاكاة المنجزات الحضارية والعلمية تحتاج الى ما يمكن الاستفادة منه من المناهج العقلية والعلمية القديمة بروح جديدة تتلاءم مع التقدم العلمي والتكنولوجي الحديث ، لان خطورة تلك القضية هي في احداث التباس عند البعض أو سوء تقدير عند الاخر في الاعتقاد بان كل القديم برمته شيء مقدس، وهذا ما جعل الكثير من شبابنا يقع فريسة سهلة عندما راحوا يأخذون منه ما يقيمون منه دليلا، وكان هذا سببا في ظهور جماعات العنف التي التبس عليها الأمر بحكم جهلها بمقاصد الشريعة وضحالة الثقافة وأصبحوا ضحايا لأناس نصبوا أنفسهم متحدثين باسم الله في الأرض ولم يتورعوا في النزوع نحو العنف والقتل وإراقة الدماء بحجة إقامة شرع الله، مع أنهم لم يدرسوا أصول الشريعة من خلال مصادرها العلمية ، والأخطر في هذا الأمر هو ان هناك الكثير من الشباب قد تأثروا بتلك الصور الجامدة للتراث العربي والإسلامي حتى صار عبئا عليهم في فهم الحاضر بكل منجزاته لأنهم عطلوا ملكات العقل والتفكير طوال سنوات دراستهم أو حتى في تداول مصادر معرفتهم الثقافية، بل ويتصارعون في نقل تلك المعارف التراثية الجامدة دون تحقيق فيها أو انتقاء ما يصلح منها لمواكبة العصر الحديث بكل تقلباته ، فصارت أفكارهم منبعا للجماعات التكفيرية والجها دية التي تدعو الى القتل والتخريب وهدم حضارات كانت منارة لأمم عديدة، ومن يعاشرهم يدرك حجم الكارثة التي حملوها للأجيال القادمة بفعل ما يتناقله هؤلاء من افكار تراثية خالية من اي تفكير عقلي أو حتى أسلوب منهجي علمي في نقل هذا التراث ،وهذا ينقلنا الى اهمية التجديد في الخطاب الديني بما يتم تناقله من تلك المناهل التراثية وأهمية تداولها للأجيال الحالية ،حيث فشل العلماء حتى الان في انتقاء الأصيل من التراث ليكون قاعدة انطلاق لبناء حضارة جديدة قائمة على مناهج البحث العلمي والعقلي لنواكب الأمم الناهضة وحتى لا يكون هذا الإرث التراثي عبئا علي كاهل تلك العقول النيرة التي تريد ان تبدع وتنطلق بعيدا عن تلك الأفكار المتحجرة التي باتت أسيرة لكل ماهو قديم مما اصاب مجتمعنا بالتخلف والتراجع، فصرنا مجرد ناقلين ولسنا مبدعين ؟!!.
اهم الاخبار
كتاب الحقيقة
عبء التراث بين أنصار العقل وأنصار النقل في الخطاب الديني
- 05 يونيو, 2017
- 65 مشاهدة





