قديماً قيل إن السمكة تفسد من رأسها، ونشم الابخرة الفاسدة من اعلى الهرم في الدول التي تبتلى بهذا الداء العضال، وتعجز عن معالجته كما هو الحال في بلادنا، الان الابخرة تنفث رائحتها الكريهة من كل مكان. في تصريح متلفز اتهم النائب محمد اللكاش بعض النواب بالفساد، وذلك لادعائهم انهم في الحشد العشائري، ولكنهم يقضون جل وقتهم ليس في جبهات القتال، وانما خارج البلاد، اما للدراسة او للاستجمام!، واكد “اننا نعرفهم يدرسون على الماجستير والدكتوراه ويتقاضون رواتبهم ومخصصاتهم كاملة”. والمثير للدهشة ان الامر لا يتوقف عند هذا الحد، فالنائب يضيف ان البعض يزعم ان لديه ثلاثة الاف مقاتل وفي واقع الامر لا يتعدون الثلاثمئة مقاتل ويتقاضى عنهم الرواتب والمخصصات!. والفساد المستشري كالسرطان في جسد الدولة العراقية يمتد الى المجتمع ومنظماته واحزابه وهياكله فأسرني صديق عن فضائيين في مؤسسات حزبية ومدنية ومجموعات عائلية تهيمن على منظمات مجتمع مدني الا ان ايا من الاجهزة الرقابية لا تحرك ساكناً ولا تتخذ أية اجراءات برغم ان ذلك يصل الى اسماع كبار المسؤولين فيها والمنتدبين للمسؤولية الاولى الذين يتبجحون بالنزاهة ومحاربة الفساد!!… وكلنا نتذكر ما قيل عن الفضائيين في وزارة الدفاع واعدادهم التي بلغت عشرات الالاف ومنذ تلك الساعة لم يسمع المواطن شيئاً عما اتخذ بشأنهم وبشأن المسؤولين عن الظاهرة!…
الواقع، ان هذا الحال المزري من استشراء الفساد وغيره تفاقم وتغول ولم يعد بالامكان الحد منه بهذه القوانين والاليات والمؤسسات المتصدية اليه، ولا بالشخوص مهما علت منزلتها لانه تمدد افقياً وعمودياً وتغلغل في كل المفاصل، وحال لسان الجميع يلهج (تشاطر واشفط ما تستطيع قبل ان تنهار الاوضاع وتخرج من المولد من دون حمص) ليس بوسع القلة ان تفعل شيئاً في ظل الاجواء السائدة فمن (يلغف) من المقاولات وتوقيع العقود والعمولات وذاك (يشفط) ولا يرتوي مما يقع تحت مسؤوليته وآخر يستثمر في ايقاف المصانع العراقية عن الانتاج وآخر يتخصص في الموارد والمنافذ الحدودية وما الى ذلك ببقية القطاعات.
قصص وحكايا اقرب الى الخيال مما لا يصدقه عقل في كيفية نهب واستيلاء اموال الفقراء، وهي موثقة بالتصريحات والبيانات والمعطيات وصادرة من هرم القوم الذين كانوا ومازالوا من اهل مكة، روايات تشعرك بالخيبة والخسران وفقدان الامل في هذه الطبقة السياسية .جرت وماتزال حملات من بقية من يندفع في عمله بضمير حي، ولكن هذه الحملات سرعان ما تمنى بالفشل او ان حصيلتها ليست ذات تأثير ولا حدت من الفساد بل ان اعداد الفاسدين وحجم ما يستولون عليه تنمو وتكبر باكثر ممن يقام عليهم حد القوانين، طبعاً اذا لم يهربوا خارج البلاد، لانهم ما ان يستشعروا الخطر او يسري في آذانهم بان الدور جاء عليهم يختفون بسرعة البرق لذلك نلاحظ ان قسماً ليس بالقليل من الاحكام القضائية هي غيابية أي يصبح جلبهم الى ساحة القضاء امرا يدخل في باب الاستحالة، او الندرة التي لا تذكر. ان الفساد ضرب النواة فمن باب اولى اذا كان الزعماء جادين في مكافحته عليهم ان يبحثوا عنه قبل أي مكان آخر في الحاشية المقربة ويطهروها ويسندوا امر الملاحقة والبت فيه الى الذين يشهد لهم بعفة اليد وبياضها، حتى وان كانوا من المختلفين والمعارضين، الطامة الكبرى ان هناك من يحاول لفلفة الفضائح بزعم ان كشفها قد يؤدي الى ضعف في المؤسسات والمجتمع وتحديداً في الكيانات التي ينتمي اليها الفاسدون.
ان هذا يعد خلافاً للواقع بل انه يؤدي الى قوة ، هذه البرازيل تحاسب رئيسين للجمهورية بداعي الفساد وايضاً كوريا، فهي بذلك اعطت مثالاً في الخضوع الى القانون والمساواة وابعدت الاقاويل والنخر في هياكل وركائز بنيتها .هذا التصريح الذي ادلى به النائب يعد بلاغاً الى المدعي العام بحق الذين ارتكبوا هذا الجرم وهم في اعلى سلطة تشريعية، كما ان من مسؤوليته التقدم بدعوى او اقتراح لمناقشة هذه القضية التي يقول عنها معروفة في احدى جلسات مجلس النواب ومحاسبة المرتكبين كي لا يدمغ الجميع بما هم براء منه .ان السكوت عن الخطأ وعدم الوقوف ضده بكل الاشكال الممكنة اسهامة في الجرم والا يصبح الحديث مجرد دعاية اعلامية والكلام هواء في شبك.





