فالح مكطوف*
إن ظهور مؤسسة السجناء السياسيين، وإصدار قانونها بعيد سقوط النظام السابق وبوقت مبكر نوعا ما، لم تكن مصادفة في كل الأحوال، لاسيما اذا ما تأملنا المعطيات التي حتمت تقييم دور ذلك الصف المضحي من مناضلي العراق، الذي يجلي ويبرز التصور لدى الجميع بان الدليل على ثقل ما يعانيه السجين السياسي الذي بادر الى التضحية من اجل التغيير وكان سباقا ومتحديا للنظام السابق وجبروته المعروف، واضح بل ولا يحتاج الى دليل، وان عمقه بعمق مطاليب الحرية والعدالة التي يسعى اليها الجميع، كما ان ظهور المؤسسة جاء أيضا، ليحمل ازدواجية الهدف والقيمة وكذلك التفسير، فمؤسسة السجناء السياسيين، تشير اولا لدلالة المعنى النضالي والبطولي للسجين السياسي في مقارعته للنظام البعثي وهذا المعنى متضمن في كون المجابهة التي اختار السجين السياسي ميدانها في زمن سكت فيه الجميع، لها مدلولها السياسي، الذي يفصح بأن هذه المؤسسة تمثل بحق؛ ذلك الرمز للمقاومة الحقيقية للذين سلكوا الطريق الوعرة هذه، مع علمهم المسبق بمصيرهم ومصير عوائلهم وتبعات اقدامهم على سلوك النضال وبإصرار؛ ضد نظام لا يختلف على مسار بطشه وتنكيله بمعارضيه وبالأبرياء اثنان، وان هذه الدلالة يجب ان تكون لها الاولوية من وجهة نظر اي سجين سياسي ويجب ان تتصاغر امامها جميع الدلالات الأخرى، فالحفاظ على هذه المؤسسة يعني قبل كل شيء ان رقما صعبا في حسابات السياسة في العرق خلال فترتي حكم البعث في 1963 وعام 1968 وما بعدها وحتى سقوط النظام السابق، يجب الا يلغى او يتم تجاوزه، فالسجين وقضيته يجب ان يكونا حاضرين في ذهن من يحدد سياسة البلد، سواء بقيت اثار النظام البعثي ولم يتم محوها وتجاوزها او تم نسيانها في المستقبل فالموقف لا يرتبط بتلك الآثار وانما بروح التضحية والايثار. اما الدلالة الثانية لمفهوم مؤسسة السجناء السياسيين فتأتي من رغبة المشرع في جعلها احدى مؤسسات التعويض لشريحة السجناء السياسيين وبالتالي فان هذه المؤسسة وبتطبيقها لمقاربة التعويض وكما جاءت تفاصيله ضمن موادها قانونها؛ تعتبر احدى اهم مؤسسات العدالة الانتقالية وذلك لشمولها على طيف واسع من السجناء والمعتقلين السياسيين يصل الى قرابة (80) الفا او يزيد على هذا الرقم، وان سكوت المشرع عن النص صراحة على كون المؤسسة ضمن مؤسسات العدالة الانتقالية لا يعني الا اعراض المشرع عن الإشارة الصريحة للعدالة الانتقالية بكليتها باعتبارها حديثة النشأة على الصعيد المفاهيمي والنظري، ولكن بالمقابل نرى ان الوقائع سواء على الصعيد التشريعي او من خلال تنفيذ القانون بكل تفاصيله تدلل على ان المؤسسة لم تعتمد التعويض المادي للفئات المستهدفة كمفردة وحيدة لرسالتها، بل اعتمدت على تطبيق المفهوم الاوسع وهو (جبر الضرر) الذي يتضمن التعويض ايضا على الصعيد المادي والمعنوي فمثلا ذكر القانون مفردات لا تتعلق مباشرة بالتعويض المادي، مثلا العلاج المجاني او السفر للخارج او الدراسة على نفقة المؤسسة وغير ذلك يدخل في خانة جبر الضرر المادي اما جبر الضرر المعنوي فيتمثل بفعاليات المؤسسة بإقامة معارض او مهرجانات او احتفالات لتخليد نضال السجين السياسي او اقامة النصب التي تجسد تضحيات السجين كما نص قانون المؤسسة المرقم (4) لسنة 2006 وتعديله المرقم (35) لسنة 2013. ولكن بالرغم من اعتبار التعويض الاستراتيجية الوحيدة لدى طيف كبير من الاشخاص الذين لا يرون هدفا للمؤسسة غيره ويحصرون عمل المؤسسة به كاستراتيجية وحيدة للمؤسسة تطغى على غيرها من اهداف المؤسسة ويحتجون بان هيكلية المؤسسة اعتمدت على تنفيذ هذا الهدف والدليل ان قانونها حدد بفترة التقاعد (25) سنة كحد اعلى وكذلك يقولون بان وجود المؤسسة مقترن بوجود التعويض، الا ان هذا الرأي لا يمت للقيمة المعنوية للمؤسسة السجناء بصلة وان هذا التوجه يمثل الخطأ الكبير الذي لابد من تداركه لان معرفة ان مؤسسة السجناء السياسيين جزء مهم في بناء الدولة العراقية الحديثة يجب ان يكون الهدف لجميع السجناء السياسيين والذي يجب يعطى الأولوية على موضوع التعويض، وان التعويض بالرغم من أهميته الكبيرة للفئات المشمولة الا انه يجب ان يتصاغر امام بقاء المؤسسة كركن من اركان الدولة لان تضحيات السجين تفوق بشكل كبير كل المساعي من اجل جعل عمل المؤسسة محصورا بوقت معين، وان تقييد عملها بالتعويض وبمدة زمنية هو فرصة لأعداء السجناء لكي يتمكنوا من اعلان موت نضالنا، الا ان الاجابة على هؤلاء تكمن في ان قضية السجناء لن تموت بتقادم الزمن وخير دليل على ذلك هو ان سجناء عام 1963 انتظروا (50) عاما ليشملهم قانون المؤسسة وترعاهم الدولة وهذه الـ (50) عاما من الانتظار تدلل على بقاء الجانب المعنوي لدى هؤلاء السجناء الذي هو جزء من هدف تأسيس هذه المؤسسة، هكذا فمؤسسة السجناء لا ينبغي ان تنتهي بانتهاء التعويض للفئات المشمولة وانما لابد ان تبقى بقاء البلد لتذكر الجميع بان التغيير في العراق لم يأت بإرادة اجنبية وانما بتضحيات عشرات الالاف من ابنائه.





