كتاب الحقيقة

الالقاء وأثره على الشعر الشعبي..

الالقاء.. وهو  تجسيد صورة شعرية او عبارة معينة صوتيا بطريقة تتلاءم مع تلك الصورة الشعرية او العبارة ، اي ان تعطيها بعدا ايحائيا من خلال نبرة صوتك، فتضفي عليها شحنة احساس ، ولتوضح مشاعر قد لا تصل إلى ذهن المتذوق إلا من خلال الصوت..

فمثلا حين تخاطب جنديا في معركة فلابد لك ان ترفع صوتك كإشارة إلى الحماسة واستنهاض الهمم..

لكن حين تلقي قصيدة  تعاتب حبيبتك بها، فسيُلزمك الذوق ان تتكلم بصوت رقيق فيه مسحة حزن شفيف..

ذلك الذي ذكرته ليس جديدا ولا مخفيا عن الشعراء.. ولكن الموضوع  الذي اود التطرق اليه هو:

المبالغة بالالقاء.. 

حيث اسمع البعض يبالغ بالالقاء لدرجة لا تُطاق ، حيث نجده يرفع صوته بطريقة تصدع الرؤوس،  او ان يتباكى، ، او ان نجده يقفِّز  كالمهرج.. 

حالة المبالغة هذه بالالقاء الصوتي والتمثيلي، اعزوها إلى احد سببين: 

اولا ، اما ان يكون ذلك الشاعر جاهلا بفن الالقاء. 

ثانيا ، او ان يكون متعمدا ليستجدي اعجاب المتلقي ويستدر عواطفه من خلال خدعة الالقاء، متناسيا ان (مادة الشعر المؤثر )هي الصورة الشعرية المبنية على الخيال الخصب..

ان مسألة الالقاء وغيرها من المحسنات اللفظيةوالتمثيلية،  هي بمثابة طلاء مايلبث ان يزول، ولو كان غياب الالقاء فضلا عن  المبالغة بالالقاء، يشكل عائقا لمسيرة الشاعر، لما احتلت اشعار الجاهليين (المكتوبة ) هذه المكانة المرموقة في نفوسنا، والتي لم تصلنا مسجلة بأصوات قائليها على قرص CD !،ولو كانت المبالغة بالالقاء  مهمة جدا،  لما بلغ شعر بدر شاكر السياب تلك المنزلة، لأنه وأعني السياب، كان القاؤه متواضعا جدا وبشهادة الجميع. كذلك هناك عمالقة من شعرائنا الشعبيين وصلوا للعالمية وترجمت قصائدهم إلى لغات اجنبية ولكنهم لا يجيدون الالقاء ولم يؤثر القاؤهم على جودة شعرهم.

خلاصة الحديث.. ان الشعر الذي يصمد أمام حَدَثان الزمن هو الشعر ذو الصور الشعرية، لا الذي يقوم على الزعيق والتباكي، لأنك قد توهم المتلقي برفيع صوتك ان شعرك جميل، ولكن قد يُقرأ شعرك بلسان غير لسانك فيظهر عيبه. لا يُخيل للقارئ الكريم أني أُقلل من شأن الالقاء ولكني ادعو الى ترك المبالغة بالالقاء لأنها مضرة بالشعر،  ولأنها ترسخ الفكرة القائلة: إن الشعر الشعبي سماعي.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان