كتاب الحقيقة

النصر وأشياء أخرى

غرام الربيعي

بعد أن أعلن العراق رسميا تحقيق النصر على تنظيم داعش وتحرير مدينة الموصل ،وهو نصر ليس عسكرياً فقط دلً على شجاعة فائقة من أبناء العراق ،بل نصر عالمي على هجمةٍ وحشيةٍ فاقت فترة المغول والتتار ،وكأنه حارب من أجل العالم كلّه ،  حتى تعالت أصوات النشاز حول كثير من المبهمات التي تحاول خلق القلق في الحياة العراقية التي تقترب من بعض الأمل لغسل أتربة ما مضى على وجه ما نتمنى مستقبلاً مرممّين خرابات الساسة والحكومات والفكر الداعشي  ،هنا لا أريد الخوض في أمور عادت ثوابت لا نختلف عليها مثل ،عودة المهجرين والنازحين والمتضررين من هذا الخراب إلى بيوتهم أو هل سيبقى من خان العراق والمتسببين في هذه الحروب وإثارة الفتن لنشوبها وتأييدها ،أو إعمار المدن المهدمة وحقوق الشهداء والجرحى ،أو كم هي الخسائر المتحققة من جراء ذلك على كل الأصعدة وأشياء أخرى هي سبب ونتائج للحروب التي حدثت في عموم العراق لاسيما أبشعها في المنطقة الغربية والموصل ،وحتى ذيول الإرهاب في مناطقنا الأخرى ومنها بغداد التي عانت ما عانت من الانفجارات والمخخات التي حصدت آلاف الأرواح البريئة ،لأن كل ذلك تناوله الكثير من الكتاب والمثقفين من خلال الملتقيات أو البرامج أو الإعلام المسموع والمقروء وأعني بات واضحاً للجميع الخراب الذي طال كل مفاصل الحياة في العراق وتم تشخيص الأسباب والواقع ، لكن الأهم من ذلك أن نتجه جميعاً حول الحلول والمعالجات الصادقة والسريعة لإعادة ثقة المواطن العراقي بضرورة البدء ولو من الصفر والاستفادة من تجارب اليابان بعد خراب هيروشيما أو أي من الدول التي خرجت من حروبها لتستعيد الحياة للأجيال القادمة .ويعرف الجميع أن الإعمار بعد رفع الأنقاض هو أصعب بكثير من الإعمار كمشروع على أرض منبسطة ومهيئة مما يستدعي تظافر جهود استثنائية من الجميع كي تتم العملية بتحقيق نتائج أفضل .ترى هل التحديات الصعبة والخطيرة التي تنتظرنا ستكون محل جدية في نظر الحكومة بوزرائها ومدرائها ومسؤوليها ؟هل سيعاودون إلقاء التهم على بعضهم ويصدعون رؤوسنا بخلافاتهم على السلطة من جديد ؟ هل سيخجل الجبناء ممن دفنوا الرؤوس بالنعيم غير آبهين بما حدث والآن يتأنقون للتبجح بالحقائق على شاشات التلفاز معكرّين الحياة المخنوقة بأزمة الماء والكهرباء والسكن وفرص العمل وغياب الخدمات الصحية وضياع التعليم في فوضى عارمة تتخبط بقوانين ورؤى اجتهادية فردية غير مدروسة ومشاكل المهجرين ؟ وهل سينسى البرلمان  حجم ما مطلوب منه لينشغلوا بانتخابات قادمة لضمان كراسي ومنافع جديدة ؟ 

سأترك كل ذلك أيضاً لأنه صار متداولاً كل يوم وفي كل مكان لأنها هموم جمعية ومجتمعية ،لأحصر الحديث حول رقعة الثقافة والمثقفين ودورهم الفاعل والمنتظر بعد داعش !!

السؤال هنا : ما المطلوب من المثقف في هذا الوقت الراهن في احتضان العراق ما بعد داعش وكيفية المساهمة في بنائه ،لاسيما نحن نعلم أن بناء الإنسان هو أصعب من بناء المكان .وهل المطلوب هو انجاز ورقي متمثل في مجاميع الشعر والمجاميع القصصية والروائية فنياً وأدبياً أم في الخطاب الذي تبثه كل تلك النتاجات كمؤثر واضح بتحريك الفكر المجتمعي من البوس واليأس والإحباط والحزن عمن رحل ومات إلى فكر يشعر بالأمل والأستعداد إلى المساهمة في البناء ،خطاباً يرمم مكامن الخلل في الذات والعقل العراقي ليقضي على كل سلبيات فكرة الطائفية والحزبية وتكريس مفهوم المواطنة وأن العراق عراق الجميع دون تسييد لجهة على حساب أخرى ، وقتل فكرة الأقليات والأغلبية بتكثيف المفارقات والمقارنات التي لم نكبر عليها وتحشيد مفهوم الإقصاء والتهميش التي نخرت روح العراقيين بالتطرف المقيت وبالتالي لا يمكن تحديد نقطة البدء في الإصلاح والتصويب والإعمار .لذا يتوجب على كل مثقف رصد الظواهر الهدامة ووضع اليد على مسبباتها ومسببيها وفضحها كأفراد أو مؤسسات بلا مجاملات ولا محسوبية لأننا جميعاً الخاسرين فيها والمطالبة بقوانين صارمة لعقوبة الفاعل مهما كان اسمه ولقبه ومنصبه وتبعيته وعلى رئيس الوزراء وحكومته استثمار هذا النصر الكبير بتغيير وإصلاح كامل وشامل لتذوق طعم هذا النصر فعلياً وعلى أرض الواقع .وليتذكر الجميع :العراق يستحق كل شيء ،ومازلنا ندهش العالم بما نملك فلا نضيع فرص الانتصار على الظلام ،ونعيد الضوء إلى حجمه الأول كي نـُبقي مباهاتنا في أننا أهل الحضارات الأولى ومازلنا . 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان