ترى هل يصح قول عبارة العنف الثقافي في سياق أي طرح أو تفسير لمشاهدة ما أو فعل ما !؟
وهل تتناسب فكرة العنف المدمر مع مفهوم الثقافة الواسع !؟
التضاد بين مفهوم العنف ومفهوم الثقافة ينفي صلاحية العبارة أو قبولها ، إن الضدين لا يجتمعان في سلوك واحد ، عقلياً ، إلا أن ما يحدث في مسرح حياتنا بأكملها هو الانتماء إلى البيئة الثقافية لكن السلوك المتبع هو العنف في الرأي والتسلط في فرض القناعات الشخصية ومحاربة الإختلاف في وجهات النظر والفكر والمعرفة والمكتسبات الذوقية والعلمية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية وحتى المادية .والثقافة لا يمكن أن تكون حقيقية ولا مؤثرة ومنتجة ما لم تتحرر من الضغوط والمواجهات العنيفة التي تحدد أفق تأثيرها ووضوحها على الحياة والناس المحيطين والمعنيين بهذه الثقافة وحتى الذين لا تجمعهم بيئة واحدة تجمعهم الثقافة كعالم واحد فكري يستقطب المثقفين في بؤر التلاقح والتبادل ولو على بعد أو حين ، فهي القادر الأكبر على إذابة المسافات وتمييعها ،لأنها لغة انسانية واسعة الانتشار والتأثير كوسيلة اتصال انساني .
يقول جون لوك الفيلسوف الانكليزي عن حرية المثقف ((هي ألا يتعرض المرء للتقييد والعنف من الآخرين)) .كما يؤمن بأن الطبيعة التي شكلت الناس والحياة هي الحرية والمساواة . لذا فإن مجموعة الحقوق والحريات من حق الجميع ولا سلطة لأحد على أحد سوى القانون العام المتفق عليه لتنظيم الحياة وتقليص الفوضى التي من الممكن أن تعم بلا هذا القانون وإلا ستنشب الحروب المستمرة كلما اختلفنا مع بعضنا البعض، ويكون الجميع ضد الجميع وهذا لا يؤمّن الاستقرار في الحياة .
وبما أن المثقف هو من يصيغ الرؤى لصناعة الحياة نحو متغيرات ايجابية فلابد من منحه حرية كاملة وأن لا يميل البعض نحو مأزق الشخصنة التي تحول دون استيعاب الفكر المتجدد والميّال للتجريب .هنا استذكر كثيراً من المحاولات التي تحاول إقصاء الآخر المختلف أو المخالف للرأي مما يولد كثيرا من الحساسيات والضغينة والشجار بين المختلف والمختلف معه وينسحب ذلك إلى سلوكيات لا تنتمي إلى مفهوم الثقافة الموصوف بالشفافية والحوار والقبول . ومع تكرار عبارة إن الإختلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية ،إلا أننّا نجده يفسد الكثير من الود والقضايا لأننا نحب القول ولا نجيد الفعل والتطبيق ولأن الإيمان الحقيقي بمعتقد الحرية وحرية الآخر وعدم انتهاك فكر وشخصية الآخر يكاد يكون مفقودا تماماً من قواميس ممارساتنا الحياتية الفكرية منها والعملية .وكثيراً ما نجد ذلك ليس بين الشخوص فقط بل أيضاً بين الجماعات والمؤسسات التي تمارس سلطتها في قمع حرية تفكير أفرادها ومنع القيام بأي تجديد أو إبداع ينحرف عن موروثاتها أو توارثاتها من أفكار وقوانين وتحرم الحوار والتداول والمناقشات التي تستفز الأفكار والتطور واستخدام العنف ضد ذلك بشتى أنواع السبل كوسيلة للتسلط والتحكم .فالبعض المتمتع بسلطة ما ، على مجموعة ما ، يحاول التحكم بمجريات الأمور وتوجيه أفراد طاقمه حسب رؤاه الشخصية المحدودة وإقصاء الأفكار المخالفة للروتين الساكن عقلية الحاكم ومحاولة تشويه الرؤى إن لم تتفق مع رؤاه مبرراً ذلك بشرعية السلطة .
ومن المؤسف جداً أن يتضمن هذا العنف عالم المثقفين في خطابهم وسلوكهم في اتخاذ القرارات والمواقف تجاه كل الأحداث والمسميات والشخوص المحيطة بهم بوعي أو بدون وعي حتى يتحول الخطاب إلى خطاب عنيف ،وهذا ما أشار إليه جاك دريدا بأن اللغة هي من تزود الفرد باللفظ والمعنى والثقافة اللغوية ،وأصل الحروب هي خطابات عنيفة وكما تقول العرب (الحرب أولها الكلام ).لذا فالعنف الثقافي الخطابي والسلوكي هو الأخطر في صناعة الحياة وصناعة الموت .





