كتاب الحقيقة

الدراما العراقية وخطورة المرحلة

لا نختلف جميعاً حول تأثير الدراما على سير الحياة العامة كونها رسالة مرئية تحاكي الواقع بكيفية طرح الأفكار كنص تمثيلي وكيفية تداوله لتركيز بعض المفاهيم وإشاعة فكرة ما وطرح الحوارات الممكنة والمتوقعة وتقترب من وضع نهايات لكل موضوع علّها تشارك في حوار الآخر الذي يشكل جزءا من مجتمع ، ونجاح التأثير يتبع الأداء المتمكن للممثلين والإخراج الناجح لبيانه وطريقة عرض الموضوع ،ولأن الدراما صديق يصاحب الأسرة وكأنها جزء تكويني من سياقات الحياة المعاش ومحرضاً للحوار العائلي ، ومعرفة كوامن أفكارها بين رافض وموافق وصولاً إلى نتائج مستقاة من الحوار والجدل الذي تثيره هذه الدراما أو تلك ،ففي تقرير( ) IPSOS) أعدته شركة ، لبيان نسب المشاهدة العالية لقنوات الدراما، وهذا يعني قوة جذب الناس مع السرد الحياتي والحكايات لاسيما مشاهدات المسلسلات التي تطول إلى أجزاء ثلاثة أو أكثر وهي ترافق حرص المشاهدين وبالأخص النساء .وواضح جداً أن كثيرا من الحوارات والجدل تقوم على أساس الحبكة والموضوع، كونها تقترب من عواطف الناس ومحاكاة همومهم واهتماماتهم . ونعرف أيضاً أن العمل الفني عموماً هو رسالة وهدف وبالتأكيد يحمل كثيرا من الأفكار المؤثرة والمغيّرة لكثير من الواقع ، يقال  ونقول إن لفعل الدراما والأعمال الفنية إذا لم تكن فاعلة ومنتجة للحلول كأنها رصاصات دمار وقتل ، وتشكل مدارس ومجالس إن تناولت بايجابية طروحاتها وأفكارها ومحاور القضايا التي تمنح الحياة ثوبها الحضاري المتجانس مع متغيرات العالم وتطوراته .وهذا لن يحدث ما لم تمتلك الأعمال الدرامية قيما عالية فنية وأخلاقية ومن خلال مؤثرات وتقنيات عالية التأثير والجذب للمتابعة والمشاركة الفعلية .

والدراما العراقية والتي تعتبر أحد الأعمدة في الدراما العربية بعد المصرية والسورية، مازالت تعاني التقصير والتهميش ويتلاعب بها مروجو التسفيف والسطحية والتي ساهمت بإدانة القيم وقتل الهوية وغياب الموضوعية والابتعاد عن الأهداف الخطيرة والمهمة في تغيير المجتمع وبناء ما تهدم بسبب الحروب والطغاة والتقشف الإقتصادي والحصار الذي نال كثيراً من خطوات التقدم في العراق واستلام السلطة المخولة عن كل ذلك، بأيادٍ لا تمت للثقافة والفعل الإبداعي من قريب ولا بعيد بصلة ،تستند على أشباه الحلول والتهريج لانتاج الضحكة على حساب الذوق العام والأخلاق والتربية وإغناء المعلومة  التي تمنحنا المتعة والمعرفة .

فمن المؤسف حقاً، أن يكون فلم عليا وعصام أول فلم عراقي والذي أنتج عام 1948 أو فتنة وحسن، ما زالا في ذاكرة العراق والعراقيين بالرغم من كل بساطة الإمكانيات مقارنة بما يصرف الآن  من أجل انجاز عمل نجاح خصوصاً الألم الذي تركه (مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية عام 2013 ). بعرض أفلام ضعيفة ، على الرغم من حجم المبالغ التي رصدت لها ،مع العلم إنها لم تتاح للجميع فرصة مشاهدتها واقتصرت على فئة متخصصة قليلة .

كما غابت الدراما  المنتجة للأسئلة كي تضع كلا في مساحة مسؤوليته تجاه الوطن والإنسانية وأيضا التي توثق ما جرى ويجري للعراق وسبب ذلك وكيفية النهوض ضد كل ما يدمّر العراق اجتماعياً وأمنياً واقتصاديا وغيرها من مفاصل الحياة ، واستبدلت ذلك بمحاولات رخيصة وتجارية ساهمت بقتل الذوق العام وتعميم اللغة المحرضة للتقدم كمتناول سهل وسريع للهو والمتابعة دون رقيب ولا لجان انتقاء وفرز..لاسيما نحن نمر بمرحلة راهنة وخطيرة تتلاعب بها قوى الشر والتخلف والعنف والإرهاب وغياب الوعي الجمعي الذي تساهم في تشكله الدراما المحلية بشكل واسع وكبير لحضورها في عقر دار الأسرة العراقية .

لذا من الجميل أن نسمع بخطوات مستقبلية من قبل مشروع الدراما حياة التي تتبناه اللجنة العليا في شبكة الاعلام من أجل الثقافة والفن ودعمها ونأمل تبني أفكار ومشاريع تتناسب وحجم المرحلة وحاجة العراق للترميم والبناء في كل مرافق خارطته الشكلية والاجتماعية والإنسانية ،ومواكبة العالم بإطار تحولاته الكبيرة وانسجام ذلك مع طموحات العراقيين والنخبة .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان