مازلت اذكر اللحظات الاولى لوصول الراحل الدكتور احمد الجلبي الى مدينة الناصرية بعد سقوط النظام السابق مباشرة، ولقاءنا به للحظات تحدث خلالها عن ان عهداً جديداً سيمرّ على العراقيين ، وان عصر القهر والحرمان قد ولى للابد ، وان العراق سيتحول الى دولة تضاهي دول اوربا الغربية .
هذا الحديث مرت عليها سنوات عجاف ودخل فيه العراق عهداً جديداً كما توقع الجلبي ، لكنه عهد مطرز بالدماء التي سفكت نتيجة التناحر الطائفي ، ودخولنا بين فكي كماشة الارهاب والفساد الاداري والمالي ، فصار العراق عبارة عن اقطاعيات لاحزاب هيمنت على مقدرات الشعب والوطن وجعلت منه كعكة لا ينالها الا الذين آمنوا بالنهب والسرقة واشباه السياسيين الذين ارتفع معدل ارصدتهم في ظرف سبع سنين الى ما يعادل او يزيد عن ميزانيات بلد باكمله ، في حين ازداد فقراء الوطن من الشغيلة والكادحين والمعدمين فقراً ، وتوسعت الهوّة بينهم وبين باقي الطبقات التي استفادت كلياً من العهد الجديد ، الذي بني على اساس طائفي مقيت فتح الافق واسعاً لمجاملات على حساب الوطن والمواطن ، فالكتل السياسية ومن اجل ان تحصل على اكبر قدر من غنائم التغيير اصبحت تقيم الصفقة تلو الصفقة ، مستغلة صمت الشعب القانع بابسط الحقوق ( حتى التي لا يمتلكها) .
العهد الجديد الحقيقي الذي تحدث عنه الجلبي لن يجيء من خلال الصمت والخنوع امام رغبات السياسيين واطماعهم ومطامعهم التي لا تنتهي عند معين ، بل تجيء من خلال الانتفاضة والمطالبة باصلاح حقيقي يعيد للشعب كل حقوقه ، ويعيد لوجه الوطن ابتسامة لطالما حلم بها ودافع عنها ودفع لها الدم وسنوات عمر تتراكض باتجاه ان يستجيب له القدر ويعيش الحياة الحرة الكريمة .
والعهد الجديد الذي رأينا بوادره مرتسمة على محيا الشبيبة الذين حجوا مراراً الى (ساحة التحرير) وطافوا بازقة المدن المنكوبة مطالبين باحلامهم واحلام الاجيال الاخرى سواء التي سبقتهم او التي ستاتي بعدهم، فتلك التظاهرات التي خرجت في كل مدن العراق وقادها الشباب من عشاق العراق استطاعت ان ترغم جميع الساسة على الاستماع لهم، واسقطت البعض منهم تحت دوي هتافهم الذي تغنى بالوطن والمواطن، وبصوتهم الذي تحدى كل محاولات خنقه سيرغمون الحكومة والبرلمان ومجالس المحافظة على تغيير نمط العمل واحداث اصلاحات حقيقية من شأنها رسم خارطة جديدة للعراق الواحد الاحد، و تقسيم ثرواته على الجميع دون النظر للطائفة او القومية او الحزبية، واظنهم لن يسمحوا لحلمهم ان يتوارى خلف غيمة الوعود الصيفية التي قد تتبخر تحت شمس الحقيقة المقبلة بكل وضوحها ..!!





