كتاب الحقيقة

نهران للعطش

لم أشعر بغبطة مثل تلك التي تملكتني، حين تلقيت دعوة لأحد المؤتمرات الدولية للحديث حول العراق وحضارته، وما قدمه للعالم من انجازات علمية وفكرية في مختلف المجالات.

صعدت درجات السلم متوجها للمسرح لالقاء كلمتي المعدة باتقان شديد، وأنا كتلة من فخر وزهو لكوني منحدرا من حضارة وادي الرافدين الموغلة بالقدم، وتكلمت مستحضرا أجدادي السومريين والعجلة واللغة المسمارية ومملكة الجهات الأربع، وانتهيت بطبيعة الحال بالرافدين العظيمين اللذين أنتجا هذه الحضارة التي أدهشت العالم بتقدمها ورقيها وقوتها. وحين انتهت المحاضرة وارتفعت أصوات التصفيق بحرارة، وأنا بأتم سرور وانتعاش، بادر إلي احد الجالسين بسؤال مفاده، هل لك أن توضح لنا كيف أن بلدا عريقا يمتلك نهرين عظيمين مثل العراق يشكو من العطش والجفاف، ويستورد مياه الشرب من بلدين صحراويين؟ وما أن انتهى الرجل من طرح سؤاله، حتى عم اللغط  بين الجالسين وهمهمة سرعان ما تحولت إلى موجة من الضحك الهستيري، حينما شاهدوني واجما لا أحر جوابا لتفسير هذه الحقيقة المرة!. استيقظت من نومي مرعوبا وأصوات القهقهات تصك مسامعي وتخز رأسي كأنها مسامير، وحمدت الله انه كان حلما مزعجا ليس إلا، ولكنه منع النوم من التسلل ثانية إلى عيني، راسما ألف سؤال وسؤال حول سبب تركنا مياه النهرين العظيمين يصبان في الخليج، وإنفاقنا أموالا طائلة لاستيراد ماء الشرب من بلدين صحراويين هما السعودية والكويت؟. سألت نفسي مرارا وتكرارا وبحثت عن جواب، فلم أجد غير أن حفنة من المتنفذين المنتفعين من استيراد الماء، هم من يقفون وراء اغتيال دجلة والفرات، وتغيير جنسهما إلى نهرين للعطش. ولكن ما يثير الاستغراب حقا هو تواطؤ الحكومات المتعاقبة وجموع البرلمانيين بشتى دوراتهم بشأن هذه المشكلة، وعدم سماع ولو صوت واحد يستنكر هذه الجريمة البشعة بحق أنفسنا وأموالنا. هل يمكن ان يكون الفساد أوصلهم حدا من الثمالة، حتى باتوا لا يشعرون بكم السخرية الهائل التي باتت تهاجمنا حتى في أحلامنا ؟، كيف رضوا لأنفسهم أن يعطلوا نهرين عظيمين، من الله بهما على هذه البلاد، ويذهبوا الى بلدان صحراوية تقوم بتقطير الماء لاستيراده منهم !!. أليس من المفترض ان تكون بلاد الرافدين مصدرا أساسيا للمياه في المنطقة، وان تكون أراضيها عبارة عن واحات وساحات خضراء مليئة بالحياة النظرة؟، أليس من الأولى أن نشكر الله على نهرين جعلهما يقطعان العراق من شماله الى جنوبه، بدلا من الكفر بهما ؟، خاصة أن الكفر بالنعمة يؤدي إلى سلبها، والجفاف الذي نعيشه نذير شؤم على فعلنا. من هنا، يجب على جميع الأصوات، لاسيما تلك المنادية بالإصلاح، الحث والعمل تجاه تفعيل هذا الملف، وبالتالي استثمار مياهنا الوطنية والحفاظ على أموالنا التي تهرب إلى الخارج بدعوى استيراد مياه الشرب، وإلا سيتحول حلمي أو كابوسي الى حقيقة وسنسمع قهقهات السخرية أينما حللنا، ونكون محلا للتندر ابد الآبدين أو مثلا يضرب بين الأمم، ومفاده لا تكن مثل الذي ترك النهر للبحث عن ماء في الصحراء، هذا فضلا عن العقاب الإلهي الناتج عن الكفر بنعمائه.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان