إذا تتبعت تاريخ بروز الفكرة العلمانية ستجد انها ظهرت كضرورة في مجتمعات الدين الواحد قبل ان تظهر في المجتمعات متعددة الأديان. والحدث التاريخي الذي جعل العلمانية ضرورة هو الحرب الدينية المذهبية بين أبناء الدين الواحد من المسيحيين (الكاثوليك والبروتستانت).
ولم تنته الحروب الدينية في أوربا التي استمرت 100 سنة إلا بالدخول في عصر الدولة-الأمة وترسيخ علمانية السياسة والعلاقات الدولية.
الحروب الدينية المذهبية كانت واقعا مرا في التاريخ الاسلامي منذ الإنشقاق السني الشيعي المبكر، ومن يتأمل التاريخ العام للعرب، أو التاريخ الخاص لكل قطر عربي على حده سيجد المعارك والمذابح المذهبية لازمة تتكرر في كل العصور.
لم تكن المذابح والمعارك المذهبية الإسلامية تشتعل فقط بين السنة والشيعة ، بل ان المذاهب السنية والمذاهب الشيعية حاربت بعضها وأبادت بعضها (الحنابلة ضد الشافعية، والاشعرية ضد المعتزلة،والإثناعشرية ضد الاسماعيلية).
ولم تقتصر المعارك على المذاهب المختلفة داخل السنة والشيعة فقط، بل إن المذهب الواحد قد يحارب نفسه عندما يدعي فريق ما ان تفسيره لهذا المذهب هو التفسير الصحيح والوحيد. وأبرز مثالين لهذا في الوقت الحالي هما الاثنا عشرية التي تشهد صراعا شرسا منذ 40 عاما بين انصار ولاية الفقيه وانصار الإمام الغائب، والحنبلية الوهابية التي تشهد صراعا لا ينتهي بين السروريين والمدخليين والجاميين والجهاديين ….الخ.
الخلاصة : العلمانية ضرورة في مجتمعات المذهب الواحد، ومجتمعات الدين الواحد متعدد المذاهب، ومجتمعات الأديان المتعددة. بل انها في مجتمعات الدين الواحد أهم ..لأن العنف المذهبي يبلغ قمة وحشيته عندما يتصارع مع شبيهه المذهبي .. فالصراع مع الشبيه صراع إلغاء، بينما الصراع مع المختلف صراع توازن.





