أصدرت مجلة (الجديد) الشهرية التي تواصل الصدور في لندن منذ عام 2015، أصدرت عدداً خاصاً بالقصة القصيرة، تحت عنوان (العرب يكتبون القصص) نشرت فيه مئة وتسعاً وتسعين قصة لـ 99 كاتبة وكاتباً، شارك فيه عشرة كتاب من العراق منهم: محمد خضير، وأحمد خلف، وجمعة اللامي، فضلاً عن خمس قاصات عراقيات
هن: بثينة الناصري، ونهى الصراف ورغد السهيل وميسلون هادي وإنعام كجة جي بقصتها الرائعة (الخوافات) وعنوانها صيغة عامية لـ (الخائفات) وقد جاء عنوان (الخوافات) أقرب إلى الحياة، حياة الشقيقات السبع. اللواتي تعاني كل واحدة منهن صورة من صور الخوف والفوبيا، بسبب ظروف الحياة القاسية التي عاشها المجتمع العراقي، سنوات الحرب الثمانينية العاصفة المدمرة التي أكلت الزرع والضرع، وأحالت حياتنا ركاماً فـ(عاتكة) كبراهن تخاف السرطان الذي أكل أحد ثدييها. وظلت تحيا على هاجس ان ينتشر في بقية جسدها، وثانيتهن (عفاف) تخاف زوجها الذي يقرعها دائماً بأنها أحبت من تركها للضياع وذهب بنزواته نحو أوربا، ويزداد هذا التعزير والنكأ للجراح مع الكأس الأولى وقبل ان يثمل، وثالثتهن (عاطفة) ليس لها زوج تخافه بل تخاف الزمن الذي يفعل بجسدها الأفاعيل، لذا فهي دائمة التحديق بالمرآة، نحو وجهها مستلة من شعرها الذي ابيض واضعة المرطبات والمساحيق كي تخفف من تأثير الزمن المدمر لاجسادنا. أما (وصال) فهي تخاف مديرها، يؤرق حياتها، حتى أنها تنتمي للحزب الحاكم كي تخفف من غلواء هذا الرجل، الذي ما أبه لذلك فمركزه في الحزب أعلى من مستواها الواطئ وبإمكانه إيقاع الأذى بها، وهي ما ظلت تخافه وتخشاه… ظلت (منال) خامسة الأخوات الخوافات، وقد نشبت الحرب تحيا على هاجس فقدها لخطيبها الذي ضيعت حياته جبهات الحرب، وظل يصعقها خبر استشهاد جندي أو ضابط، حتى أنها في لحظة يأس ونكوص مدمرين دَعَّتْ على خطيبها بأن تأكله الحرب بغتة واحدة، كي تخدمها من هذا القلق المدمر. وتظل (منى) لا تخاف أحداً، بل تخاف ذاتها، تخاف من نزواتها واندفاعاتها الشبابية غير المعروفة النتائج. وتأتي سابعتهن الساردة، لا لتخاف شيئاً معيناً، بل لتخاف كل شيء، تخاف من كل الذي أخاف أخواتها، لا تخاف المدير، بل كل مدرائها في العمل. رئيس الشعبة الذي يريدها بدقة الحاسبة، رئيس القسم الذي ينظر إليها نظرات وقحة، كلما مرت أمامه، سرعان ما تهبط نحو ساقيها، تخاف موظف الذاتية ، الذي يلحف بالسؤال ويلح عن ميولها السياسية، هي غير المعتنقة لاتجاه سياسي معين، ولا يكف بل يسأل عن ميول أفراد أسرتها حتى جدها السابع! هذه الحياة الملتبسة، المدافة بالخوف، خوف الأخوات السبع، الذي أحال حياتهن جحيماً، كان لا بد للقاصة المبدعة إنعام كجه جي من ان تضع حداً له، ولأن الحياة في العراق، تقترب من الفنتازيا الفاجعة، فقد رسمت أنعام كجة جي نهاية فانتازية قريبة من الحلم لخوفهن المدمر هذا ونقضهن له. إلى ان كان يوم تغادر فيه الساردة المركزية برنامج حياتها اليومي الاعتيادي، آخذة الباص العام ، نحو اللا أين، ومن عجب لا بل من جمال القص أن إنعام كجة جي ، تلحق أخواتها بها تباعاً، في إشارة موحية إلى تغيير مهم طرأ على حياتهن. فها هي (منال) تصعد الباص، لتلحق بها (عاتكة) وبقية الأخوات الخوافات، اللأئي تركن الخوف وراءهن ظهريا ويذهبن للسباحة في البحر، ليغسلن بمالح مائه أجسادهن، مغادرات خوفهن يحيين حياتهن بهناءة ولذاذة وإمتاع، وقد استمددن من ضعفهن قوة. سائق الباص هذا، وقد أخذت الفتيات وطرهن لهواً وسباحة ومرحاً يأمرهن بالتهيؤ للعودة مؤكداً: – جئت بكن وأعود بكن. في البداية رجونه، وتوسلن إليه، لا بل أغرينه كي يتراجع عن قراره، لكنه أبى واستكبر، فقررن التمرد عليه، التمرد على السائق الذي جعلت منه إنعام كجة جي معادلاً موضوعياً للخوف ، وإذ يحاولن البنات السبع اللواتي ما عدن خوافات ، كبح جماحه والسيطرة عليه، تأتي (عاتكة) آمرة إياهن بتركه لها “هجمت عليه محلولة الشعر مكشوفة العافية خارجة من حصار المرض مغسولة الكفين من دبق الخوف ، أطبقت على رقبة الرجل المزمجر دونما تردد ونحن من حولها نستمد من ضعفنا قوة، أخمدنا الأنفاس التي جاءت بنا إلى بحر بغداد لئلا تعود بنا منه.





