منذ سقوط بغداد على يد المغول، والى قيام الدولة العراقية في عشرينيات القرن الماضي، فاصلة زمنية طويلة، كانت عنواناً للظلم والجهل والتخلف والجوع والمرض، حتى أطلق عليها المؤرخون اسم (قرون الظلام) وهي مرحلة تعج بالغرائب وبمئات الحكايا والقصص الواقعية، منها إن موظفاً يدعى (نامق أغا) تولى مهمة الاشراف على ضرائب بغداد، ويبدو ان نفسه الامارة بالسوء قد سولتْ له امراً، غير ان تلك الوسوسة الشيطانية كانت تصطدم بموظف من موظفيه يدعى (طلعت افندي)، مهمته تنظيم السجلات الضريبية، وكان هذا الرجل معروفاً بالفطنة والدهاء! نفد صبر الاغا من الانتظار وقرر المجازفة عبر التلميح وجس النبض، وهكذا اكتشف ان الافندي اشد وسوسة، واعظم رغبة منه للتلاعب بالأرقام والسجلات لولا الخوف منه، وضحك الرجلان من اعماقهما واتفقا على ان تذهب نسبة 70 بالمئة من عائدات الضرائب الى الخزينة، و30 بالمئة يتقاسمانها مناصفة، ثم تعاهدا واقسما (بشرفهما) على أن لا يخون احدهما الاخر او يشي به، وان يبقى هذا الاتفاق سراً بينهما، لا يطلع عليه اقرب المقربين!! ما كاد العام الاول ينصرم حتى جمعا من الاموال الطائلة ما جعلهما اثرى شخصين في بغداد ومن باب التحوط وابعاد العين والتقرب الى الوالي، كانا يقومان بتقديم الهدايا الثمينة له، مرة عمامة تتوسطها جوهرة نفيسة، ومرة عباءة مطرزة بخيوط الذهب، ومرة خاتم ماس او سجادة حرير او اطباق فضة، ومرة… ومرة والوالي يقبلها بالاستحسان وعين الرضا!! هكذا جرت الحال على أفضل ما يكون، إلى ان فوجئ الافندي ذات مساء بزيارة الاغا الى بيته، كان يرتعد خوفاً وهو يخبر (شريكه) ان السنة المالية الجديدة اصبحت على الابواب، واللجنة المكلفة بتدقيق السجلات ستقوم بجولتها التفتيشية بعد عشرين يوماً و.. وضحك طلعتْ أفندي وردّ على صاحبه (لا تشغل بالك مولانا ولا تهتم، آني أعرف باللجنة وموعد زيارتها، وكل شي محسوب على 24 حبايه)، اطمأن الاغا وعاد الى اسرته مرتاح البال و(الضمير)، ونام ليلته قرير العين، فقد كان يدرك (مواهب) شريكه، وربما يعمد الى اسكات اللجنة بمئة ليرة او مئتين، ان لم يكن قد رشاها واتفق معها في وقت سابق! قبل وصول اللجنة بثمانية ايام، تعرض مبنى الضريبة الى حريق هائل، وقد تعاون الموظفون وفي مقدمتهم طلعت افندي على اخماده بسرعة، ولم تتعرض البناية الى اضرار كبيرة باستثناء غرفة السجلات التي أكلتها النيران عن بكرة ابيها، وقد قدم الوالي شكره بصورة خاصة الى طلعت افندي الذي احترق نصف طربوشه في الاخماد، ومن يومها والحرائق لم تتوقف في بغداد لأسباب مجهولة! ملاحظة: في تلك المرحلة لم تكن الكهرباء معروفة في العراق، والا لكان (التماس الكهربائي) هو المتهم الاول في اشعال الحرائق!!.
اهم الاخبار
كتاب الحقيقة
المتهم الأول !!
- 16 سبتمبر, 2017
- 63 مشاهدة





