الذي كان يعتقد أن مدينة الناصرية من المدن العصيّة على الإرهاب، هو واهم حقاً، ومن اعتبرها آمنة، فهذا الإعتبار يمكن أن نعده صائباً بالمقارنة فقط مع المدن التي سقطت بيد تنظيم داعش الإرهابي، فالناصرية مدينة كانت ومازالت وستبقى معرضة للخروقات الأمنية لأسباب عدة لم تستطع القوات الأمنية بمختلف صنوفها من حلحلتها رغم وجود مقومات النجاح المتحصلة من البيئة والمجتمع والجغرافية.
الحادث الإرهابي الأخير الذي طال تلك المدينة، لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة سوء إدارة أمنية متواصلة، والغفلة التي يعيشها منتسبو الأجهزة الأمنية التي لم تطوّر قدراتها، على الرغم من الأموال الطائلة التي صرفت من أجل ذلك، ودليلي على ذلك هو ان أغلب الخروقات الأمنية تحدث او تأتي من ذات المنطقة التي حدثت فيها الفاجعة الأخيرة، وأقصد المنطقة التي تقع فيها سيطرة (فدك) والمطعم الذي يحمل ذات الإسم.
مدينة الناصرية، ليست منيعة على الإرهاب ولولا تعاون السكان والجهد الإستخباراتي الذي أقرّ بفاعليته، لكانت الناصرية حالها حال العاصمة بغداد، من حيث عدد التفجيرات، فمنذ عام 2014 وحتى يومنا هذا وصل الى مدينة الناصرية أكثر من 250 إرهابيا، سقط كثيرون منهم بيد عناصر الإستخبارات، وكان أبرزهم ما يسمى بـ (والي ذي قار) الذي اعتقل في شهر شباط عام 2014ومعه عصابة ارهابية كانت تخطط لزعزعة الأمن في المحافظة، وانا أستغرب أن توجه تهمة الإهمال للإستخبارات تحديداً.
حادثة فدك من وجهة نظري، هي العملية الإرهابية الأكبر في المحافظة من حيث ستراتيجية التنفيذ، فالقتلة او الإرهابيون خططوا ونفذوا عمليتهم بدقة كبيرة، تقابلها غفلة كبيرة وردة فعل باهتة من قبل الأجهزة الأمنية، فمكان الحادث جغرافياً يصعّب الأمور على الإرهابيين، فهو مكان صحراوي مكشوف وليس فيه منافذ هرب مفتوحة، كما انه قريب من مؤسسات عسكرية عديدة، حيث ان مطعم فدك الذي نفذت فيه العملية لايبعد عن سيطرة فدك سوى بضعة أمتار، وعلى شماله توجد قوة عسكرية كبيرة لتأمين آبار نفط الغراف، وعلى الطريق السريع ذاته توجد مديرية حماية الطرق الخارجية، وهي قوة عسكرية مدججة بالاسلحة والمعدات، فضلاً عن ان المطعم والسيطرة يقعان على مقربة من ناحية (البطحاء) التي تتواجد فيها قوات عسكرية من مختلف الصنوف.
اذا كان لابد من تحميل جهة معينة هذا التقصير الذي تسبب بحدوث مجزرة فدك، فانا اقول ان جهاز الأمن الوطني هو أكثر من يتحمل ذلك، فمهمته الرئيسية هي متابعة الخلايا النائمة والقبض على الخونة والحاضنين، فمنهم تنطلق كل الهجمات الإرهابية، واعتقد ان عدد منتسبي الأمن الوطني في الناصرية وحدها يتجاوز الثلاث مائة منتسب، لكن لم نسمع منهم عن أي منجز يمكن الإشارة اليه، وبالتالي كان يجب تطوير عمل هذا الجهاز حتى يكون على قدر المسؤولية ويتحمل ما القي عليه من مسؤوليات خطيرة تتعلق بأمن الأبرياء من أبناء هذه المدينة المبتلاة بالخروقات الأمنية.





