كتاب الحقيقة

جاذبية التطرف

لا يخفى على المتابع، أن داعش يعمد ومنذ البداية على مزج الدم بالمقدس والعنف بالنص الديني وتوظيف الدين لاغراض القتل والتوحش، حتى ما عدنا نميز في خطاب داعش من أين يبدأ الدين وأين ينتهي الدم؟. وعلى الرغم من أن مثل هذه المحاولات باتت مكشوفة حتى لأبسط إنسان، اللهم إلا إن كان يعاني من خلل وظيفي في بنيته المعرفية والنفسية والعقلية، إلا أن هذه المحاولات لا تزال تلقى أذاناً صاغية ولها وقع على الجاهلين، فكيف يتم الجمع اذن بين الموضوعين المتناقضين؟ .إن اسلوب (المزج) هذا ليس بالجديد على تاريخ هذا النوع من الحركات والتنظيمات كما سنرى ولكن ما يثير التساؤل هنا: لماذا في كل مرة يفقد الناس قدرة التمييز بين الديني من جهة وبين العنفي الارهابي من جهة اخرى، إلا بعد وقت قد يطول بهم حتى يصلوا الى حيث تشير عقارب الساعة الى فوات الأوان؟ داعش التي احكمت ارتداء قناع الدين على وجهها وما كاد الكثير من الناس- سواء في العراق أو الوطن العربي او في العالم كله- أن يميز بين الحقيقة والقناع، بين العنف كنتاج ثقافي والعنف كمعطى سايكولوجي، حتى شاهدنا الكثير من المتخصصين اخذوا يتداولون وبثقة عالية اصطلاح (جاذبية التطرف) لوصف قوة تأثير تلك الحركات التدميرية والارهابية على الافراد من داخلهم، فهي لم تك مفروضة عليهم، بل كانت دواخلهم تردد صدى العبارات التي كان يطلقها هؤلاء الدواعش وتعيد مشاهد القتل والدمار، حتى رأيناهم وهم يتدفقون الى العراق وسوريا باعداد كبيرة كالنيام. الكثير من الصور المخيالية والمهلوسة الراسبة في اللاوعي العربي والاسلامي نجحت داعش في استفزازها وايقاظها من سباتها ،بل والتحكم فيها، عبر جهاز إعلامي لا يكف عن صناعة الدعايات والمنشورات والاصدارات والترويج لها. آلاف من مقاطع الفيديو وملايين من الصور التي تناقلتها وسائل الاعلام عملت طويلا ،حتى استطاعت أن تخترق الحواجز الانسانية والدينية والاخلاقية وتصل الى روح العنف المنسية في اعماق كل انسان. يتحدث علماء التحليل النفسي عن أن غريزة الموت موجودة في كل انسان، ولكن تم ردعها أو تحويلها او كبتها كبتا تاريخيا بواسطة الحضارة ، ولكن الذي نراه الآن وكأن الغطاء الحضاري قد رفع عن تلك الغرائز وأن ضحايا داعش من المغرر بهم قد توقفت لديهم جميع الميكانزمات تلك وصاروا يعيشون مرحلة ما قبل الدولة. لقد جرت تلك العملية تحت مبررات وذرائع شتى، تبدو للوهلة الأولى كأنها ذرائع عقلية ومبررات منطقية، كمبدأ العودة الى الزمن (الاصلي) للخلافة الاولى، هذا الحلم الجامع الذي يجمع كل حركات الاسلام السياسي مع اختلاف كمي في مسافة الاقتراب منه، الذي يعني في احد وجوهه، مدى نسبة تحكم الشرع في المجال العام. وبالعودة الى العصور والمراحل التاريخية، فاننا نلاحظ أنه لا تكاد تمر مرحلة في التاريخ، من العصور الاولى والى الآن دون ان نرى مثل هذا التوجه المأزوم الذي يخلط النصوص الدينية بدماء الضحايا من الابرياء ويسكر منتشيا بها، انه حصيلة آلاف السنين من الاقتران بين العنف والمقدس والهبوط بالعقائد الى مستوى أن تصبح مجرد سلاح في الحرب النفسية وخدعة من خدع الحرب. ينقل التاريخ لنا أن هذا هو ما دأبت عليه مؤسسات الحكم، منذ الحروب التوسعية لأقدم حضارات الأرض في وادي النيل ووادي الرافدين ومنذ أن ترجم كهنة المعابد الرومانية علامات الطبيعة كالبرق والرعد بأنها آيات وكلمات الانتصار وقد تحدثت بها الآلهة إليهم وكذلك حين أرسل حكام اليونان، سفنا لجلب الآلهة لتساعدهم على حربهم، كما ينقل هيروديس. فلا عجب ان رأى العديد من الدواعش أشكال الحوريات في مواقف عديدة، في مناماتهم ويقظتهم، كذلك وهم يفارقون الحياة (كما ظهر ذلك في العديد من مقاطع الفيديو). إنها هلوسة جماعية تجتاح عالمنا العربي، تبدأ من أول مرة يتم ادخال الشخص اليها من باب العقيدة ولا تنتهي إلا بالخضوع التام، حيث يتم التحكم بافكاره وممارسة معه كل انواع غسيل الدماغ. هنا تكمن جاذبية التطرف، انه نوع من الخضوع للسلطة. بعد التجارب التي قام بها ستالني ميلغرام توصل الى أن الناس العاديين الذين يقومون ببساطة بوظائفهم ومن دون أي عدائية خاصة من جانبهم يمكن أن يصبحوا عملاء في عملية تدمير مرعبة، علاوة على ذلك، حتى عندما تصبح التأثيرات المدمرة لأعمالهم واضحة بجلاء، ويطلب منهم القيام بأعمال متنافرة مع المعايير الأساسية للأخلاق، فأن عددا قليلا من الناس لديهم الموارد اللازمة لمقاومة السلطة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان