في تلك الاوقات، والازمة السياسية في ذروتها، صار هاجس غالبية الناس، هو الحصول على الخبز الذي تحول لونه من الابيض الى الاسمر قبل ان يختلط به التراب والكثير من الشوائب، التي عودت الناس نفسها على اكلها بصمت! لاشك ان هذا الاسلوب غير الاخلاقي وغير الانساني، الذي استخدم للضغط على العراق،وقتذاك، كان مفهوما على انه وسيلة لإنهاء الازمة وليس الغرض منه خلق ازمة انسانية في العراق، ومقبولا على هذا الاساس من قبل اغلب الدول التي تحالفت مع اميركا لاخراج العراق من الكويت، ومفهوما من قبل الدول التي وقفت على الحياد، وحتى المؤيدة ضمنا اوعلنا، لان الحصار الاقتصادي، وسيلة ضغط استخدمتها البشرية لاحراج الخصوم منذ القدم، مرورا بالحصار القاري الشهير الذي فرضه نابليون على بريطانياالعام 1806، وانتهاء بالحصارات الذي فرضت في القرن العشرين بدوافع سياسية وعقائدية، كونه وسيلة ضغط فعّالة وتحقق الهدف المرجو من دون استخدام الجيوش،لانها تضع قيادة اية دولة امام استحقاق غير قابل للنقاش او التأجيل، فالناس تريد الخبز حتما، وعلى الدولة ان توفره بأية وسيلة، وحين تعجزالدولة عن تحقيق هذا المطلب تصبح في مواجهة بركان شعبي قد يطيحها بأية لحظة، وخشية هذا تذعن لما يريده فارضو الحصار، لكي تنهي الازمة ولو بهزيمتها او خسارتها معركتها التي تسببت بهذا الاجراء. حكاية الحصار على العراق لايمكن وضعها في معيار معين، سياسي او اخلاقي او انساني، لانها تجاوزت كل الحدود بعد ان استمر الحصار لاكثر من 12 عاما ومن دون أي مبرر، وقد اتضح هذا بعد الاحتلال، لكن يمكن دراستها او دراسة نتائجها على الارض، أي ان الشعب العراقي وبعد ان اغلقت امامه كل الابواب، كثر فيه المطالبون بان تجد الدولة اية وسيلة لانهاءالجوع الذي دمر الانسان العراقي من الداخل، واضعف عزيمة الكثيرين، سواء كانوا من المختلفين مع المرحلة السابقة او من المتفقين، وهذه حقيقة لايجادل فيها احد، وصار هؤلاء يتمنون تقديم تنازلات للطرف الاخر، مقابل رفع الحصار الذي اغلق منافذ الحياة والمستقبل امام الناس. منذ ان اعلنت قيادة اقليم كردستان عن موعد الاستفتاء للانفصال عن العراق، ودول الجوار، ايران وتركيا، تتوعدان باتخاذ اجراءات ضد الاقليم، وصرنا نسمع يوميا، سيلا من التصريحات التي وصل بعضها حد التهديد باستخدام القوة، لمنع قادة الاقليم من اجراء الاستفتاء، بينما المنافذ الحدودية للبلدين مفتوحة على مصراعيها امام الاقليم الذي ظل يتنفس بملء رئتيه من هواء الجارين اللدودين. لاشك اننا ضد أي اجراء للحصار، لكن ان يتوعد البلدان الاقليم بغلق المنافذ الحدودية معه اذا ما اجرى الاستفتاء، يعني ان الشعب الكردي، سيعيش حياةالتسعينيات التي عاش تفاصيلها مع بقية العراقيين ايام الحصار، لكن بعد ان يتخذ الشعب في الاقليم قراره بالانفصال، وهذا الاسلوب غير صحيح في التعامل مع هكذا ازمات، لان الحصار الذي قد يفرض على الدولة القادمة، سيدفع ثمنه الشعب الكردي، بينما لو ان اجراءات الحصار اتخذت قبل الاستفتاء لاثرت بشكل كبير على عملية التصويت ونتائج الاستفتاء ووضعت قيادة الاقليم امام استحقاقات قاسية، قد تدفعها فعليا لاعادة النظر بمسالة الاستفتاء والانفصال، ولتجنب الشعب الكردي المشاكل الاقتصادية والامنية القادمة ، وهي ستحصل بشكل شبه اكيد ان لم نقل اكيدا. من دون ادنى شك، ان هذه الامور وضعتها الاحزاب الكردية في حساباتها، ومن ضمن ذلك ان تركيا بحاجة الى موارد خط النفط العراقي المار عبر كردستان، ولن تغلقه، وايضا هي بحاجة الى السوق العراقي بشكل عام وكردستان وميدانها الواسع الذي انتشرت به شركاتها بشكل خاص. والامر كذلك مع ايران، لكن هل سيبقى هذا السوق مفتوحا وفعالا بعد الاستفتاء والاستقلال؟ … المؤكد ان ايران وتركيا ستتخذان اجراءات اقتصادية قاسية ضد الاقليم او الدولة الوليدة، وان الشعب الكردي سيدفع الثمن سواء بفعل الواقع الاقتصادي السيء الذي سيحصل، او بفعل تداعيات ذلك سياسيا وما سيخلفه من صراع بين القوى والاحزاب التي سيتهم بعضها البعض الاخر، بانه هو من جرّالاقليم لهذا الواقع، وحينها لن ينفع دول الجوار اسلوب الحصار الذي لم يستخدم لمنع التصويت بنعم، ولكنه سيكون نافعا في ايذاء الناس الفقراء وتدمير مستقبل الملايين من البشر، لتحقيق هدف سياسي، كان من المفروض ان يتم التصدي اليه بالية الحصار المؤقت لتحقيق هدف سياسي بعيد، وليس العكس!
اهم الاخبار
كتاب الحقيقة
اوراق دول الإقليم المؤجلة!
- 26 سبتمبر, 2017
- 68 مشاهدة





