في عام 2006 قررت ان اغادر بغداد الى دهوك بعد تردي الوضع الامني جراء الحرب الطائفية،شعرت باني نفيت الى مكان لم اتوقع اني ساضطر للعيش فيه.لم تكن دهوك مدينة عادية بل كانت مكانا يصلح لان يقضي فيه الانسان تقاعده.انغمست بعالمي الدهوكي الجديد الذي يتالف من اقاربي واصدقاء اقمت معهم علاقات صداقة ما زالت الى اليوم باقية.
وشيئا فشيئا، اكتشفت طبقات جديدة من الشعور القومي لم اكن اعرفها من قبل.فكل الاكراد الذين قدموا الى الاقليم من الموصل او بغداد هم اكراد “البالة”اي هم مثل ملابس”البالة” المستعملة كانوا يطلقون علينا هذه التسمية الجارحة.
كان البعض يضحك حين يقول هازئا جاء كردي البالة.
ولاني لا استطيع ان اعمم ان هذا التمييز العنصري ضدي وضد غيري لم يصدر الا من البعض، لكني رأيته مؤشرا خطيرا على طريقة التفكير وكذلك على اسلوب التعامل مع الغير سواء كانوا اكرادا او غير اكراد.
فكرت حينها ان الشعب الكردي سار في طريق محدد وهو:تربية روح الكردي على الاكتفاء بما عنده دون الاهتمام بما عند الاخرين.
وحدث هذا نتيجة سياسة طويلة ابعدت الكرد عن المحيط العربي.لقد اخبرني احد المثقفين في دهوك وكان هذا المثقف عضو برلمان اتحادي قائلا: بعد اكثر من عقد من الزمن، لن تجد احداً يتكلم العربية في الاقليم.وهذا يعني ان تربية الصغار على النزعة القومية تعني ان السياسة تريد ان تستخدمهم في مواقف معينة.ويريد السياسيون ان يجدوا المجتمع جاهزا لخوض اي مواجهة محتملة دون تفكير.
بدأت افكر وانا في دهوك بنمط الحياة الذي اعيش في نسيجه.لم اشعر باني حر.فرص العمل قليلة ولا توجد هناك قاعدة مؤلفة من مثقفين او منظمات يمكنها مساعدة مثقف مهاجر من مدينته الى مدينة كردية ليعيش في امان,وتفتح ذهني ممتع.على العكس بدأ زمن حصار قومي يفرض علي.وكان اهم سجن وضعت فيه هو السجن الانفرادي الذي اسميته “بقوميتي الناقصة” في مقابل القومية الكاملة المكتملة لفرد كردي اقل مني ثقافة ومعرفة.
كانت قوميتي من فضة في حين كانت قومية اي شاب هي انضج واعمق لانها من ذهب.لذا كنت احس اني سجين زنزانة مصنوعة بعناية وذكاء.فانا حر لكني اعاني من فقر دم قومي لا اعرف كيف اعوضه.وكنت في الحقيقة انتقد هذا الشعور المتعالي الكريه ازاء الاكراد الذين قدموا الى الاقليم عام 2006,وكأننا اكراد من الدرجة الثانية,وعلينا ان نحتمل السخرية التي نواجه بها من هذا وذاك بروح لا تثور.
فكرت كثيرا وبقلق معبرا عن رأيي لبعض اقاربي ان الحياة لا تسير هكذا بلا مشاكل.وان من الخطأ معاملة اكراد بغداد او الموصل بانهم غير اصلاء,ويعانون من نقص واحد هو ولادتهم في قلب بغداد الخالدة,وهذه كل خطيئتهم.





