كتاب الحقيقة

العراق لن يتجزأ

علمتنا سياسة لي الاذرع التي ينتهجها من يجيد صناعة الازمات في البلاد، ان تصعيد سقف المطالب يفضي الى تحقيق المزيد منها على حساب الآخر، الأمر الذي يدعونا للتأمل في معطيات أزمة الاستفتاء وما وراءها قبل الانسياق وراء مضامين صناعة الأزمة الحالية. وفي هذا الاطار ينبغي الكشف عن جملة من الحقائق التي لا ينبغي غض الطرف عنها، بوصفها واقعا نتعاطى معه على الأرض، وأولى هذه الحقائق التي لا يمكن تجاهلها، هي ان الولايات المتحدة التي كانت وما زالت اللاعب الرئيسي في عراق ما بعد العام 2003 أنفقت نحو ترليون دولار حتى اللحظة وهي تؤسس لعراق فيدرالي حليف، ولها سفارة تعد من بين أكبر سفارات العالم وهي تغص بآلاف من الخبراء الذين يساهمون منذ سنوات في اعادة هيكلة الجهاز التنفيذي لدولة مستقرة تكون منطلقا لادارة الشرق الاوسط الكبير، وهذه الحقيقة تتقاطع كليا مع عراق مجزأ مضطرب. اذ ان تاسيس الدولة الكردية سيؤسس بالضرورة لنزاعات طويلة الامد بينها وبين اجزاء العراق الاخرى التي ستشهد بدورها دعوات لاقامة كيانات اخرى تستقطب التدخلات الاقليمية وتكون مدعاة لعدم الاستقرار وبالتالي انفراط عقد الترتيبات التي عملت عليها الولايات المتحدة في مشروعها الشرق اوسطي انطلاقا من العراق. وفي هذا السياق حديث طويل بشأن ما اسست له الولايات المتحدة وما عملت من اجله ابتداء من ملفات اعادة هيكلة الدولة برمتها وربط مقوماتها بالمنظومة الاقتصادية العالمية وانتهاء بالتأسيس لاقتصاد سوق تديره الرساميل العالمية وجعل العراق غرفة عمليات لادارة الشرق برمته مرورا بطبيعة التاسيس لكيانات الحكومات المحلية للاقليم والمحافظات وفق مفهوم الدولة الفيدرالية التي تكون لكياناتها الادارية، الكلمة الفصل في ادارة شؤونها بما يجعل الحكومة المركزية واجهة ديموقراطية وفق مفهوم ليبرالية راس المال. ومن هنا، فان ضجة الاستفتاء لا تبدو اكثر من توظيف لحلم البعض من الاخوة الاكراد في تأسيس دولة كردية من اجل تحقيق مزيد من المكاسب السياسية للاحزاب التي تقود الاقليم، بدعوى حق تقرير المصير والانفصال عن البلدان التي احتضنتهم عبر التاريخ ، ونقول احتضنتهم لان في هذا الامر حديثا طويلا أيضا لا يسع متن المقال لعرضه، اذ ان جميع الاقوام عاشت مراحل من التنقل والتهجير جراء الصراعات والحروب وضنك العيش عبر التاريخ. وموضوعنا يبدأ هنا من المرحلة التاريخية التي وقعت بها معركة “جالديران” عام 1514م بين الامبراطورية العثمانية والدولة الصفوية في شمال ايران وهو الموطن الاصلي للاقوام الكردية، حيث انتهت هذه المعركة بانتصار القوات العثمانية واحتلالها مدينة تبريز عاصمة الدولة الصفوية، وأدت من بين ما ادت الى احتلال شمال العراق، ثم توجهت القوات العثمانية صوب الشام لتنتصر على المماليك حلفاء الصفويين بمعركة “مرج دابق” الامر الذي ادى الى تشظي الاقوام الكردية وترحيلهم من مناطقهم شمال ايران باتجاه هضبة الاناضول وشمال غرب الشام مرورا بشمال العراق ، وهو تاريخ حديث بالقياس لتاريخ حركة الاقوام في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فان الشعوب والاقوام التي سكنت العراق أبتليت بالشعوبيين والعنصريين من كل الاقوام وفي مقدمتهم المهووسون بصناعة تاريخ لهم ولعوائلهم على حساب التعايش والسلم المجتمعي، وقد يرى البعض ان حق تقرير المصير مكفول وفق المواثيق الدولية، وهو لا يعي ان هذا الحق لا يعطي المبرر للأفراد والجماعات التي تطالب بتقسيم البلدان متى ما شاءت ووقت ما يحلو لها ضربا بالغيب وتهديدا للسلم المجتمعي، بمعنى ان حق تقرير المصير للجماعات والاقوام يكون مكفولا متى ما عانت من الاضطهاد، وفي المواطن الاصلية لهذه الاقوام، والا يكون من حق ملايين العرب الذين هاجروا الى اوروبا على اثر الحروب واعمال العنف التي شهدتها البلدان العربية حاليا ان يقيموا دولتهم بعد بضع عشرات من السنين في قلب أوروبا، ويكون للآسيويين او الافارقة الذين يقيمون في الولايات المتحدة او كندا او استراليا الحق بتاسيس دولتهم خصوصا وان البعض منهم يعد من اوائل المهاجرين لهذه البلدان. ومن هذا المنطلق، فان الحق للاقليات يكون في اطار شكل الدولة للمطالبة بالعدالة الاجتماعية والحقوق الطبيعية وادارة شؤونها بما يحقق الحكم الذاتي لها في سياق نصوص الدستور، وما دام جميع المواطنين العراقيين متساوين في الحقوق والواجبات في وقت يؤكد فيه الاخوة الاكراد تميزهم في تحقيق ما يرضي المواطن الكردي ونجاحهم في البناء والتنمية، فان حق الانفصال لا بد ان يكون وفق مخارج قانونية وعقود اجتماعية، وبخلاف ذلك، فان ما يكون وفق اسلوب لي الاذرع وسياسات الامر الواقع هو تهديد للسلم المجتمعي الذي لن يفضي الا الى المزيد من حالات عدم الاستقرار في هذه البلاد.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان