كتاب الحقيقة

إقالة الرئيس الراحل!

لم يحدث في الكون مثلما حدث في العراق من هوس سياسي ، فبينما ناضل الكرد في شمالنا الحبيب ضد ظلم الطاغية المقبور ، وتعرضوا لما تعرضوا اليه من مجازر حتى وصلوا لجريمة الابادة في حلبجة ، كان اخوتهم في جنوب العراق يعانون مثل معاناتهم حتى تعرضوا للابادة في انتفاضة عام 1991 اسوةً باخوتهم الكرد ، ثم شاءت الاقدار ان تبتسم للمظلومين في شمالنا الحبيب ، حتى حققوا امانيهم من طغيان البعث المنحل وماكنته الاجرامية ، وظلوا كذلك الى ان سقط النظام  ، بينما بقي الجنوبيون تحت ظلم الطاغية بين شهيد وسجين ومواطن مضطهد يعامل بالتهم الجاهزة دون ادنى سبب . وحين انهار النظام الساقط ، صار لابناء شمالنا الحبيب اكثر مما كان لهم حين كانوا محميين من بطش الدكتاتورية ، وسارت الأمور باتجاه المحاصصة ، وصار منصب رئيس الجمهورية لأحد المناضلين الكبار ضد الطاغية المقبور ، وآلت اليه امور من كان يطارده ومن حكم عليه بالاعدام غيابيا ، وهي فرصة لان يتنفس العراق متعدد الاطياف الصعداء، على الرغم من افتعال الساسة لصراعات وقودها الناس والحضارة ، لكن التعددية عزاؤنا الوحيد ، فكان جلال طالباني رحمه الله رئيسا للعراق بكل اطيافه ، ولم يحدث أن تكلم للناس باللغة الكردية على الرغم من ان القوانين تنص على أنها اللغة الثانية في العراق ، بل لم يحدث ان ارتدى زيا كرديا وهو في منصب الرئيس ، لأن الرجل لم يشأ ان يكون مناطقيا ولا عشائريا ولا قوميا ، وعلى الرغم من ميوله لليسار لم يتمكن اليساريون من الهيمنة على الامور في زمنه ، كما لم يتمكن حلفاؤه من الشيعة من الهيمنة او التأثير في قراره ؛ فلقد كان عراقيا ، يمثل البلد كله، ويمثله علم العراق ونشيده الوطني . هذا ما كان عليه الرئيس طالباني ، وهو ـ أيضا ـ ما كان يحلم به وينتظره ، ولقد تسنى له فصار رئيس العراق الفيدرالي الاتحادي الموحد ؛ واتذكر ذات مرة التقيناه ، وكنت ضمن وفد اتحاد الادباء ، فتحدث عن جهة مسلحة تريد التفاوض معه لكن في بلد عربي ، وما زلت اتذكر الحماسة في رده حين نقله لنا ، فقد قال ( انا رئيس بلد ضاربة جذوره في اعماق التاريخ كيف افاوض عصابة في بلدة عمرها لا يتجاوز بضع سنوات ) ، هذا كان رده ،  (رئيس بلد) وهذا البلد له علمه الذي يظهر معه رئيسه دائما ، فلقد كان ـ في حياته ـ رئيسا عراقيا علماً ونشيداً وطنياً ودستوراً ، لكن حين وافاه الأجل ، يبدو ان ساسة الانفصال اقالوه من منصبه وجردوه من عراقيته وفخامته ، ولفوا جثمانه بعلم يمثل له الجزء حين كان حيا …!!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان