كتاب الحقيقة

لغة جديدة

لا شك ان الانفجار المماثل في اعداد الصحف والمجلات والاذاعات والمحطات الفضائية، قد اسهم في ذيوع اللغة الجديدة بين المواطنين حتى باتت جزءاً من كلامهم اليومي، ومع ذلك فان الذين بلغوا خريف العمر مثلي، يصعب عليهم استيعاب مئات التعابير والمصطلحات التي انهالت عليهم كزخة مطر عنيفة، وهذا امر طبيعي، أعتقد ان العراق شهد أعظم انفجار في المصطلحات والتعابير بعد 2003، بحيث تشكلت لغة جديدة، يمكن التعرف عليها بسهولة وتمييزها عن اللغات التي سبقتها، فعلى سبيل المثال لم يعد الشارع ولا وسائل الاعلام يتداولون مصطلحات على غرار (الثورة البيضاء) أو (أم المعارك) أو (القائد الضرورة)، ولا يتم تداول عبارات من قبيل (حفظه الله ورعاه) أو (ولكن بفضل ثورة السابع عشر – الثلاثين من تموز ..الخ) ولكن مقابل هذا الانحسار الكلي تقريباً للغة الامس ومفرداته، استقبلت الناس لغة جديدة، وراحت تردد مفرداتها ومصطلحاتها بصورة واسعة وغير مسبوقة، من ذلك مثلاً (الحواسم– نصف الكأس الفارغة – الوزارات السيادية.. الخ)  فالإنسان كلما تقدمت به السن، بدأت عافيته وذاكرته وقدراته بالتراجع، ولهذا يحال على المعاش كل موظف بلغ السن القانونية للتقاعد (63 – 64 سنة)، ومن هنا كنت اعاني الامرّين في فهم ذلك الكم الهائل من المفردات ، وزادت معاناتي بالطبع في السنوات العشر الاخيرة بعد أن تجاوزت السبعين… واحد من تلك المصطلحات التي دوخت رأسي، ولم استطع فهمه بصورة صحيحة وواضحة، هو (الوزارات السيادية) ، لكوني أجهل ابتداء : هل ينتمي هذا التركيب الى علم السياسة ام علم الادارة وتوزيع الوظائف ام الى علم الاقتصاد والمصالح التجارية؟ مثلما أجهل إن كانت الوزارات مقسمة الى نوعين، واذا كانت كذلك فعلى أي أساس يقوم هذا التقسيم؟! على أساس طبقي مثلاً او أساس الذكر والانثى أو على فصيلة الدم أو لون البشرة وتسريحة الشعر.. وتساءلت يومها في حمى جهلي: هل جرى هذا التوزيع على وفق الانتساب للعشيرة ام الدين ام القومية ام الريف ام المدينة؟ أقسم بقبة البرلمان إنني غرقت في لجة الاسئلة، وربما استوقفني سؤال استيضاحي بالغ الاهمية وهو: إذا كانت هناك وزارات سيادية، فماذا نسمي الوزارات الاخرى: محتلة مثلاً او فاقدة الاهلية او ناقصة السيادة او من غير سيادة او عميلة؟! تجربتي الطويلة في الحياة، وطبيعة مهنتي الصحافية، جعلتني أتوصل الى أن المواطنين ينظرون بعين الاهتمام والمحبة الى الوزارات التي توفر لهم خدمات الماء والكهرباء والعمل والسكن، وتبني الجسور والمدارس والمؤسسات الصحية والرياضية وترفع الانقاض وتعبد الشوارع، وتعنى بالمتنزهات والحدائق ومدن الالعاب و..و.. ولاحظت ان البلدان المتحضرة شديدة العناية بوزارة الثقافة، لأنها مسؤولة عن بناء الانسان والعقل والفكر والمكتبات ودور السينما..الخ، أما الذي لم أتوصل اليه، وما زال معلقاً في ذمة الاسئلة فهو: لماذا يتقاتل الجميع من اجل الوزارات السيادية، ويترفعون على وزارات الخبز والشباب والمسارح والكتب والسياحة، هل لأنها وزارة تهم الشعب، وكل وزارة من هذا النوع ناقصة السيادة، أم لأن الوزارات السيادية حلوة وغنية ومتعافية؟!يقول عروة ولكن بلوعة ساخرة، فالغني قليل ذنبه رغم أنه مليء بالخطايا، وربه غفور في حين رب الفقير شديد العقاب، وهذا يوحي أنه حتى الله يحب الغني أكثر من الفقير. أقول إنه يسخر لأن الله على العكس كما يؤكد حديث نبوي مشجع ومما قاله عروة تطيرا من الفقير: ذريني للغنى أسعى فإني ..رأيت الناس شرهم الفقير..وأدناهم وأهونهم عليهم ..وإن أمسى له حسب وخير..يباعده القريب وتزدريه..حليلته ويقهره الصغير. مؤدى البيتين أن الرجل ربما خبر خبايا الفقراء والصعاليك من فرط ما عاشرهم، وهو هنا متطير منهم رغم أنه عرف دائما بالدفاع عنهم. أقول إنه متطير لأن الفقير شرير سيء الطوية كما يرى، وذلك متأت من قهره وشعوره الممض بالاستضعاف. فكرة معروفة طرحها كثيرون ومنهم شعراء كالعباس بن الأحنف قديما وحسين قسام النجفي حديثا، يقول ابن الأحنف: يمشي الفقير وكل شيء ضده..والناس تغلق دونه أبوابها..وتراه مطرودا وليس بمذنب.. ويرى العداوة لا يرى أسبابها. ولهذا تجده يشعر بالنقص تجاه من يملك. وإذ يكتشف أنه عاجز عن حيازة ما يريد تشرع الكراهية تتضخم في دواخله حتى تحتويه فتحوله إلى إنسان مريض. ليس هذا رأيي بل هو رأي علماء النفس والكتاب ومنهم أحمد بن علي الدلجي الذي يقول إنه إذا استحكمت الفلاكة، أي الفقر، في شخص وعرف بها أوسعه الناس إغاظة واستهانة بأمره فإن «تواردت موجبات الغضب عليه وازدحمت عليه من توقيفه على نقائصه والإغماض عن كمالاته وتقريعه بزلاته وتوبيخه على تقصيره وهتك أستاره»، ثم مضوا في عدم اعتباره، وعجز هو عن الوقوف منكرا لما يراه من قبلهم، ولو بنفثة مصدور أو ضربة موتور»واستبحرت أسباب الغيظ وزخرت أمواج العجز عن إطفائه بالانتقام، عاد ذلك إلى الباطن وأجج فيه نارا وتحول حقدا وضغينة وسخيمة». ثم أن موانع الفلاكة تعيقه عن الرد فيصير القهر «ألما صرفا ووسواسا سوداويا ومعصية مجردة». كذلك هو الأمر لدى عروة بن الورد في أبياته الجميلة. إنه يقول مقارنا الفقير الذي يتطير منه بالغني الذي يحلم أن يكونه: ويلقى ذو الغنى وله جلال ..يكاد فؤاد لاقيه يطير..قليل ذنبه والذنب جم..ولكن للغنى رب غفور. وإنه لمن الطريف هنا استذكار حجة كان أحدهم قد طرحها أمامي. يقول ذلك المحاجج إن الجنة مخصصة للأغنياء لا للفقراء، فالغني يمكن أن يتصدق ويفعل الخير، ودائما لديه المزاج الرائق للعبادة أكثر من الفقير المحزون الحائر بأمره كل لحظة.  شخصيا أتمنى ذلك من كل قلبي حتى يكذب عنوان الفيلم المصري الذي لطالما أثارني منذ أن رأيته، أعني فيلم «فقراء لا يدخلون الجنة» الذي أداه محمود عبد العزيز وآثار الحكيم.. ويا عجبي!.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان