لم تخل مرحلة تاريخية من القصص الغريبة والعجيبة التي تثار هنا وهناك بين الحين والحين، ومنها والأكثر دهشة هي محاولات النصب والاحتيال في الحياة ،لاسيما في التعاملات التجارية كالغش في البيع والتثمين ونوعية أو جودة البضاعة . وسمعنا عن محاولات وقصص تعدت الجانب التجاري إلى الاجتماعي والأمثلة كثيرة منها ما أخبرتني به احدى الصديقات حول خطبة بنت من خلال صحبة ناس لا يمثلون أهل الشاب وإنما كلفهم وبدون أي ضمير وافقوا الفكرة بحجة عمل طيب وتسهيل أمر للشاب، وأشياء لا يقبلها العقل ،وتمادت الحيل والتحايل إلى تمثيل بعض الشخوص لشخصية المجنون أو المعوق لاستجداء عواطف الناس واستنزاف الأموال .هذا قد يكون هيناً مقابل انتحال صفة أو منصب أو مستوى دراسي لا يستحقه هذا المدعي ،والأدهى من ذلك والذي استفزني لكتابة المقال، حين التقيت بشخوص أعرف خلفياتهم وامكاناتهم العلمية والاجتماعية والاقتصادية يشغلون مناصب كبيرة تحمل تكليفا عاليا ومسؤوليات كبيرة بلا أي مؤهل لذلك ، ومن المؤكد فقد لعبت فكرة النصب والاحتيال دوراً كبيراً في تشكيل ذلك ،وفي فوضى عارمة بين الحق والباطل والانشغال بالخرابات التي خلفتها الحروب والمناطحات السياسية ادت بالنتيجة إلى ولادة هذه النماذج فضاع الحابل بالنابل مثل كذبة كذبوها وصدقوها .
وحين تشتد المؤامرات من تحت الطاولة ويزداد عدد من يخطط لها و يموّلها ويؤازرها من خلال لعبة غلق الأفواه بالترغيب أو الترهيب، تبقى المزايدات حول إحقاق الحق والصواب ضائعة بين صخب الاحتيال المتزايد على قيم الحياة وصورها التي ننشد .والأكثر بؤساً حين تقودك المصادفات إلى معرفة أن الكاتب الفلاني والصحفي الفلاني والشاعر الفلاني والرسام الفلاني ومثلهم من النساء، هم ليسوا أصحاب منجزاتهم الحقيقين، بل هناك من يحقق لهم ذلك مقابل أموال أو علاقات مهينة وأسباب مختلفة تجعل منهم أصحاب ألقاب لا يستحقونها ومناصب ووظائف ليست من استحقاقهم .فحين يصل التلوث إلى الثقافة، فأعتقد ان الأمر غاية في الخطورة والمرارة .
والآن خير من يعزز هذا التشظي هو فكرة التصويت والأغلبية تحت لافتة الديمقراطية المصابة بالوهم والترقيع وتبادل المنافع وتشكيل الفئات والمجاميع لإتمام لعبة التصويت وتمرير المؤامرات بحجة التصويت تحت عنوان الديمقراطية ،الديمقراطية التي سوستها ديدان المصالح وتبادل الأدوار واستمرار التلاعب بالقيم والحقوق وتوزيع المسؤوليات، مما أودى بضياع الأمن والأمان للحياة ومسوغات ممارستها بثقة واندفاع بناء ،لاسيما هذا البلد الذي قسمه المنتفعون كما تشتهي الأنفس بحجج كثيرة منها الديمقراطية والتصويت والأغلبية ولعبة الإقصاء والتهميش وتزوير الحقائق والوثائق، فقد بات هذا من ملامح الفترة الراهنة والمرهونة ببقاء هذا الوباء منتشراً في مفاصل الحياة بطرق النصب داخل لعبة النصاب للحصول على المناصب .
وعندما تثير حديثاً حول ذلك، يحدث ما يذكرني بقول لفولتير :(عندما يكون الحديث عن المال فإن كل الناس على دين واحد) .
لذا فالخشية حين يتحول الرأي الباطل الى رأي عام ،
الرأي العام هو أكبر كذبة في التاريخ .توماس كارليل .





