حسن العاني
إن مرحلة ما بعد الاحتلال، شهدت بدورها ظواهر انفردت بها، تقف على رأسها ظاهرة (الكثرة) غير المسبوقة في تاريخ العراق، فقد بات لدينا من الصحف والمجلات والمطبوعات والاذاعات والفضائيات وكتاب الاعمدة ما فاق حاجة المواطن اعتقد جازماً، إن الكثير من الظواهر السلبية التي نراها اليوم او نسمع عنها، ليست جديدة، وكانت موجودة بكامل تفاصيلها في النظام السابق، فعصابات سرقة السيارات مثلاً او السطو على المنازل، أو سرقة المحال التجارية او محال الذهب.. الخ بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، واستفحلت في عقد التسعينيات، وتواصلت كذلك بعد سقوط النظام، والفارق الوحيد لا يكمن في هذه الظواهر، وانما في طريقة التعاطي الاعلامي معها، فالنظام السابق كان يحجبها ويتكتم عليها ويحذر وسائل الاعلام من الحديث عن حجمها، في حين بدأت وسائل الاعلام وفي مقدمتها الفضائيات بعد 2003 تتسابق لنشرها، وذلك لحرية الحصول على المعلومة وسهولتها، وقد ظنت فضائياتنا عن جهل او سوء نية، أنها تقدم سبقاً امنياً من شأنه كسب أكبر عدد من المشاهدين!! . وأنا لست (مع أو ضد) ما جرى، لأنني في معرض توصيف الحالة وليس تقويمها او نقدها، ولكن الوقائع تقول، أصبحنا نمتلك عشرات الجرائد من غير قراء، وعشرات الفضائيات من دون مشاهدين، وبلغ الامر الى الحد الذي أصبحت بعض المطبوعات توزع بين الناس مجاناً كما لو كانت فطرة العيد او صدقات لوجه الله!. لا شيء أكثر من ظاهرة الكثرة التي سعى الاحتلال بشتى الطرق لافشائها والتغاضي عنها حتى باتت بعض صورها تتمثل في الاستيلاء على بيوت المواطنين واراضي الدولة وممتلكاتها وحتى بات من الطبيعي ان نسمع كل يوم فضيحة تزكم الانوف حول تزوير الشهادات الدراسية او صفقة تجارية مشبوهة او سرقة لرواتب الرعاية الاجتماعية او عقود وهمية او مشاريع على الورق، وتمددت هذه الكثرة عمودياً وافقياً وانتشرت كالخلايا السرطانية، بحيث اصبح الكلام عن مؤسسة نزيهة مئة بالمئة أمراً شبه متعذر. نعم.. ومع كل الاسى والحزن، تلك هي الصورة التي يقف الاميركان وراءها في السر والعلن.. كثرة لم تترك شيئاً وراءها، حتى احالت الشارع الى مشهد حربي، مفخخات وكواتم وضحايا لم ينجُ منها طفل ولا شيخ ولا موكب عزاء ولا حفلة عرس… كثرة اخترقت لغتنا السياسية، وجعلتنا نتحدث عن الاكثرية والاقلية كما لو كنا نتحدث عن شعبين او شعوب.. كثرة افرطت في كثرتها وصعدت برواتب المسؤولين الى استفزاز لاوضاع الفقراء والمتقاعدين ورواتبهم المخجلة.. أنا واثق ان لا شيء خارج هذه الظاهرة، بدءاً من النفايات وليس انتهاء بسيارات الاجرة، بدءاً بالمولات ومستخدمي الانترنت وليس انتهاء بمنظمات المجتمع المدني.. على غرار منظمة فقراء بلا حدود.. منظمة اطباء بلا حدود.. وبالمناسبة فإن أشهر منظمة اسسها الاميركان في العراق كانت تحت عنوان .. منظمة عراق بلا حدود!!.





