كتاب الحقيقة

الاستفتاء .. خيارات الحرب وخيارات المنطق

يبدو أنّ البعض يريد وضع  السياسة خارج حدود الممكن، وباتجاه أنْ تكون خيارا صعبا في اللاممكن، من خلال تفكيك واقعيتها ومهنيتها، وتغليب ماهو أمني على ماهو سياسي، وفرض وهم القوة على الآخرين، ووضع الدستور بوصفه قوة حمائية خارج أُطر الدولة ومؤسساتها.. هذه الفرضية باتت واضحة في ظلِّ الأوضاع التي تعيشها مدينة كركوك، والتي وضعتها (الخيارات العسكرية) خارج التوصيف الدستوري بوصفها محافظة غير مُنتظمة في إقليم، وضمن المناطق (المُتنازع عليها) وهو مايعني إخراج هذه المدينة من توصيفها القانوني والدستوري الى قسر وجودها ضمن معادلة أمنية معقدة. ما يحدث في كركوك يكشف عن محنة السياسي والأمني، فالسياسة تحتاج الى الحكمة والدراية، والى التغطية القانونية، والأمن يحتاج الى المسؤولية، ويبدو أنّ كلا الأمرين باتا خارج الواقع، وضمن خيارِ إراداتٍ تُراهن على الحرب، أو على خلطِ الأوراق، لكي يتحول موضوع الاستفتاء الى موضوع اقليمي ودولي، والى أزمة صراع داخلي يهدد السلم والتعايش المجتمعيين في المنطقة، ويتحول الى مشكلة أمنية لا تقلّ خطورتها عن تهديد الارهاب.. خيار الحرب والقوة، يتلازمان كما يبدو مع معطيات (الاستفتاء) فهذه الممارسة لا تعني جسّ نبض الشارع الكوردي، بقدر ما تُعبّر عن سياسات وتوجهات لها مرجعياتها، ولها أفقها، ولها دعاتها، وربما لها جهات داعمة على المستوى الدولي والاقليمي والمحلي، فضلا عن كونها تدخل في سياق خطير ومرعب، وهو تفكيك الدولة العراقية ومجتمعها السياسي التاريخي، وبقدر ما يرتبط هذا الخيار بنظرة رومانسية لما يسمى بـ (تقرير المصير) فإنّ الوقائع تؤكد الطبيعة السياسية والأمنية لهذا الخيار، من خلال اختيار التوقيت، أو من خلال المواقف والسياسات، فضلا عن علاقته بما تعيشه المنطقة من أزمات وصراعات تجعلها أضعف من أنْ تواجه مثل هذا الخيار..

الحوار المنطقي.. العودة الى الحوار تحتاج الى منطق وأسس عملياتية، لأنّ  هذا الحوار ليس بين دول متحاربة، بل بين دولة لها مؤسساتها الدستورية، (إقليم) تابع لها، لكنه أراد فرضَ خياراته بشكلٍ منفرد، رغم أنّ له ممثليه وموظفيه في كلِّ سلطات تلك الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وحتى الأمنية، وهو ما يُثير استغرابا وأسئلة كثيرة، لا سيما أنّ هناك فقرة في الدستور العراقي تُجيز الذهاب الى المحكمة الاتحادية في حال وجود ما يُستَعصى من المشكلات السياسية، أو حتى التفسيرات المتعددة لفقرات الدستور، والتي تتطلب إرادة وطنية جامعة لحلّها، لذا فخيار الاستفتاء والانفصال، وحتى التجييش والعسكرة خارج ارادة الدولة يعني تغييبا للمنطق، ولفاعلية الحوار الذي يقتضي أولاً احترام شرعية الدولة ودستورها ومؤسساتها.. مايجري الآن من مواقف وتصريحات، يحتاج الى وقفة جادة، والى رؤية واضحة، وبعيدة عن الانفعال، وعن خيارات الحرب، بكلّ تعقيداتها، وبما يمكن أنْ تتركه من آثارٍ خطيرة، ومن مشكلات من الصعب معالجة تداعياتها، وبما يجعل العراق أمام تدخلات دولية واقليمية مُحتملة، لذا نجد في إجراءات مواقف الحكومة الاتحادية وفي قرارات البرلمان العراقي مجالا لتعزيز دستورية الدولة، ودستورية اجراءاتها لفرض هيمنتها السيادية على الأرض، وعلى المنافذ الحدودية، وعلى الثروات الوطنية، وبما يُعطي أفقا منطقيا للحوار بين الحكومة الاتحادية والاقليم، ومنع أيِّ إجراء يتعارض مع الدستور العراقي، ويقطع الطريق على نوايا بعض اصحاب النزعات المتمردة، الذين يجدون في هذا الصراع فرصة لتحقيق مصالحهم، او خدمتهم لإجندات دولية واقليمية.

الخيار الدستوري، العودة الى الدستور هو الخيار العقلاني والمسؤول، وهو الاتجاه الذي يمكن أنْ يصوّب مسار الاتجاهات الأخرى، ويضع بوصلتها داخل الأفق الوطني الجامع، لأنّ الخروج على الدستور، أو تفسيره  بشكلٍ انتقائي سيضع الجميع أمام مشكلات لا حدود لها، مثلما سيفتح الباب على صراعات قد تهدد الأمن الوطني، وتُعرّض المجتمع العراقي المتعدد والمتنوع الى كثيرٍ من الفواجع، وهو ما لا يريده الجميع، إلّا من تساكنه الأوهام، والنوايا السيئة، الذي يريد أنْ يجعل من خيار الاستفتاء خيارا للحرب، أو خيارا لتقسيم الدولة والمجتمع، ولتحقيق مآربه الخاصة على حساب القوى السياسية والمدنية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان