تمر هذه الايام الذكرى الثانية عشرة للاستفتاء على الدستور العراقي الذي صوت عليه الشعب العراقي في الخامس عشر من شهر تشرين الاول العام 2005 ، ذلك اليوم الذي عبّر فيه العراقيون عن ملحمة بناء الدولة وارساء قواعدها على اساس الحرية والعدالة والتداول السلمي للسلطات بعد عقود من الدكتاتورية وبين اللادستور، حيث تخضع جميع السلطات لدكتاتور اذاق الشعب ويلات الحروب والقمع والسجون والتصفية الجسدية، كانت ملحمة التصويت على الدستور بعد سقوط النظام اكبر تحد لجميع العراقيين ، وبعد اثني عشر عاما على الممارسة الديمقراطية وتراكم التجربة لدى المجتمع العراقي ونخبه السياسية، نفاجأ بانفراد شريك سياسي مهم ، ممثل في جميع مراحل كتابة الدستور ولجانه الفرعية ، وفي صياغة البنود الرئيسية والفقرات والمواد المتعلقة بشكل الدولة الاتحادية وتوزيع السلطات والموارد عبر اجتماعات اللجان الست والتي استمرت من 24 أيار 2005 الى 8 آب 2005 بواقع ثلاثة وثلاثين اجتماعاً الى ان وافقت عليه الجمعية الوطنية الانتقالية بجلستها الـ (55) في 15 آب 2005 بعرضه على الشعب العراقي الذي صوت بنسبة 78بالمئة. هذا الشريك الاساسي والمهم انفرد عن باقي الشركاء بالقول : ان الدستور العراقي لا يلبي مصالحه ولا يعبر عن طموحاته ، ضارباً بذلك عرض الحائط ناهيك عن الكم الهائل من المخالفات الدستورية التي ارتكبها فيما يخص صلاحيات الحكومة الاتحادية والصلاحيات المشتركة،ولم يراع الظرف الامني والاقتصادي الحالي الذي تمر به الدولة العراقية جراء حربها لدحر عصابات داعش الارهابية، والازمة المالية الحادة ، ويجري استفتاء عارضته جميع السلطات الاتحادية التشريعية والتنفيذية والقضائية .
وبتخويل رئيس مجلس الوزراء من قبل البرلمان، تم اتخاذ كافة التدابير الكفيلة بحفظ وحدة التراب العراقي وسلامة اراضيه ، فضلا عن المواقف الثابتة والمؤكدة لدول الجوار والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الاميركية برفض الاستفتاء والاحتكام للدستور العراقي ، حتى شمل دائرة الرفض مجلس الامن الدولي ببيانه الصادر في 22 ايلول 2017 والذي شدد فيه على وحدة وسيادة العراق . كل ذلك ورغم نصيحة المرجعية الدينية في النجف الاشرف للقيادات الكردية التي اصرت على اجراء الاستفتاء في 25 ايلول الماضي وتحذيرها بالنص الاتي (ومن لم يستمع لصوت النصيحة فلينتظر الى ما لا يحمد عقباه) لم تقنع السيد بارزاني بالغاء الاستفتاء بل زادته تعنتاً واصراراً على شمول المناطق التي تجاوز عليها بالاستفتاء المشؤوم . وبين اليوم والامس شتان بين استفتاء اجري لبناء دولة اتحادية موحدة وبين استفتاء مثير للجدل يراد منه تمزيق وحدة البلاد وضرب التعايش السلمي بين مكوناته ، فالاول عقد اجتماعي – سياسي بين الشعب والحكومة من جهة وبين مكونات هذا الشعب من جهة ثانية، اما الثاني فجاء من سلطة منتهية الولاية،وبرلمان معطل منذ عامين، واختلاف بين المكونات السياسية لاقليم كردستان نفسها وعدم قناعتها بالاستفتاء ولا بتوقيته . الاستفتاء الاول في 2005 ارسى دعائم دولة ديمقراطية بعد عقود من الدكتاتورية، والاستفتاء الثاني في 2017 فتنة تقوض تضحيات الشعب العراقي وتصادر ارادته وحلمه بعراق واحد وموحد.





