كتاب الحقيقة

تخريب الناصرية

   منذ مدة ليست بالقصيرة كنت منقطعاً عن مدينتي الناصرية، وحتى عندما كنت أزورها في السنتين الأخيرتين، فاني لا اجد الوقت الكافي لأن امرّ بشوارعها، فاقضي وقتي مع عائلتي واقربائي، او أذهب الى مقهى مسلم، الذي يحجّ اليه المثقفون السومريون كل مساء، ولذلك لم أشاهد حجم الدمار في معمارها وأصالتها الا مؤخراً، حيث قمت بجولة برفقة ابني، فنالني الحزن لاني لم أجد كثيرا من الأشياء التي لها علاقة بإرث الناصرية المعماري، ففي هذه الجولة افتقدت كثيرا من النصب، ونالني الغضب وانا أرى ان كثيرا من ملامح مدينتي الحبيبة قد تغيرت تماماً. 

باعتقادي أن هناك تعمداً ومنهجاً لتدمير إرث المدن العراقية عامة، من خلال تخريب النصب والتماثيل وكذلك ازالة الاماكن ذات البعد التراثي منها، كذلك ما تشهدهُ المدن العراقية من استيراد للعمارة الاجنبية التي مسخت هوية المدينة العراقية وخربت عمرانها المميز، وخصوصا في الإتجاه للنموذج التركي.

نحن  نعلم ان أغلب دول العالم، تحرص حكوماتها ومؤسساتها الثقافية على الحفاظ على الإرث الشعبي لكل مدينة، حتى تلك المدن التي تعرضت للحروب احتفظت بآثار هذه الحروب لتكون شاهدا يروي للأجيال مأساة الحروب وويلاتها.

الا أننا نرى ان كل نظام سياسي يأتي لهذه البلاد يبادر الى ازالة كل آثار ما سبقهُ ويأتي بنماذج جديدة، كي لا تنسب لهُ، لذا نرى اليوم أن هناك إزالة لاهم النصب التاريخية من المدينة تحت تأثير المد الديني والقراءة المتطرفة التي ترى في النصب الثقافية حراماً، ولذا فإن الناصرية من المدن القلائل التي شهدت ازالة نصب الأم على سبيل المثال.

انا أرى من المهم والضروري جداً المبادرة الى انشاء متحف لتوثيق تاريخ الناصرية وحفظ ارثها من الضياع والاهمال الذي ساهم في محو الذاكرة الجمعية لمجتمع المدينة ، وادعو جميع مثقفي الناصرية الى إقامة فعاليات تطالب بعدم إزالة الملامح التاريخية والحضارية في هذه المدينة السومرية ، وان يكون الإعمار وفق نظام المحافظة على الشكل التاريخي للناصرية القديمة ، وليس الإعمار بالاعتماد على عمارة الغرب او العمارة التركية التي باتت تغزو جميع مدن العراق .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان