ربما لأني وحتى لحظتنا هذه والأشهر التي مضت, والشهور والاعوام القادمة، لم ولن اصدق, انه غادرنا الى حيث اللاعودة. وربما, اني وجدت ماكتبته له وعنه, ما هو الا جزء من ارث كلمات الرثاء التي ماانفك الادباء والمثقفون, يتناقلونها فيما بينهم عبر “الفيس بوك” حين يتوفى الله نفس أديب ما. منها “روحك خالدة…أنت لم تغادرنا” الخ. وربما اني كنت أتخبط في التيه, لا اعرف من اين ابدأ. أمن حياته ام مماته, ام من الغبش ام صبارو..؟
حقا أقول لكم, اني في الفترة التي تلت وفاة أبي، والايام القليلة الماضية. كنت كالمسرنم, والامر الوحيد الذي انتشلني من ذلك التشظي الروحي, نافلة القراءة والكتابة اللتان وهبني اياهما “شاكر المياح” دون أن اعي ذلك الا بعد وفاته. فهاتان الهبتان, استطاعا النأي بي بعيدا عن التحير. فالاولى قادتني الى “جون بابتيست غرينوني” . والثانية جعلتني أتقمص تلك الشخصية الروائية, وها انذا أحفز ذاكرتي وذاكرة”أنفي”, وأستاف بياض “شاكر” وحياته. ولكن ذاكرتي الغضة, الموزعة بشكل متساوٍ(وهذا أمر لا اؤكده لكم) بين ضحكة شاكر وكلماته. بين صوته وصمته, بين بياضه وعكازه. لم تسعفني الا بضوع تلك اللحظة, التي فارقت روحه فيها جسده. لذا سابدأ مقالتي من النهاية. واعني نهاية صراع جسده مع المرض, نزولا الى نشأته وولادته. واعتذر منك عن هذه الجريرة, جريرة الاسى واللوعة التي أستهل بها كلامي.
في ليلة 17/10/2016. تدهورت حالة “المياح” الصحية بشكل خطير جدا, الامر الذي حتم علينا نقله الى طوارئ مدينة الطب. وخلال الطريق ادركت انه في حالة “اغماء”. هناك واعني في مدينة”الموت”. بقينا في ردهة الطوارئ حتى لصف النهار. ننتظر “غودو” الجهاز الهظمي. وبعد وصول المخلص واطلاعه على التقارير الطبية, قال لنا: (لا امل في نجاته, ولكن يمكن ان نسعفه بالمنظار الطبي). وهنا كان علينا أتخاذ القرار, فالمنظار الطبي يعني الموت المحتم. نظرا لحالته الصحية المتردية. ووقتذاك قلنا للطبيب: (لا.. نريده يتملى سريره حين موته). ومنذ ذلك الصباح, اي بعد خروجنا من “مدينة الطب” أحجم “شاكر المياح” عن الكلام, باستثناء كلمة “بويه” التي كان قلبه يلهج بها قبل لسانه.
في فجر اليوم الذي توفي فيه. كنت جالسا الى جوار سريره, واضعا راحة يده الشمال فوق راحة يدي. وأثناء ذلك كنت قد شغلت مقطعا صوتيا مسجلا للقارئ “عبد الباسط عبد الصمد” وهو يرتل سورة “يس”. ووقتئذ الفيت “شاكر المياح” وهو يحرك رأسه ذات اليمين وذات الشمال. فقلت له : (ما بك)..؟ لكنه لم يجبني, واستمر بتحريك رأسه, وكأن قوة غريبة تنتر وجهه وتهدهده الى اليمين والشمال. انذاك اوقفت التسجيل الصوتي وسألته قائلا : (أأضجرك عبد الباسط؟). فهز رأسه مصطنعا علامة الموافقة. حينها قلت له : (أترغب بسماع زهور حسين؟). فطوح برأسه للاسفل ورفعه للاعلى, حينئذ ادركت ان “شاكر” وهو على على فراش الموت يعطيني درسا عن “خاتمة الحياة”. وأجزم انه لو تسنى له الحديث وقتئذ لقال : (بني, اعلم, كل شيء يخاف الموت, الا الغناء.. يقهقر الموت ويرعبه).
2013..2003
في هذا العقد من الزمان, كانت الاحداث والمفاجآت. تتواتر في حياة “شاكر” منها ولوجه الى مهنة المتاعب, اختطافه, صدور رواياته الثلاث. اصابته بـ”الغنغرينيا”. وهنا سأتوقف عند “الغبش” ومهنة المتاعب, وأسهب بعض الشيء, في الحديث عنهما.
قبيل نهاية العام 2007, كنت أراه وهو منكب على جهاز الحاسوب خاصته. وكان بين الفينة والاخرى, يقرأ ويقلب حزمة اوراق. ومضى على ذلك الى نهاية العام 2008. حينها اعلمنا انه اتم كتابة روايته الاولى. وأتذكر انه في ذلك اليوم طلب رأينا جميعا حول عنوان الرواية التي اراد ان يعنونها بـ”هجرة الكراكي” واتذكر جيدا حين قال : (راح تشوفون ابوكم شلون يفوت بعين الي استهانو بيه) والسبب الذي دفعه للقول ذلك, ان بعض الادباء, كانوا يبصمون بـ”العشرة” على ان “شاكر” لن ينجح بما يصبو اليه باستثناء قلة قليلة, منهم: (الراحل فهد الاسدي, الراحل محمد درويش علي, كاظم مرشد السلوم, عدنان الفضلي, عدنان المنشد, عبد الوهاب الدايني, كاظم الجماسي). وبعد عام وصلت “الغبش” الى بغداد, قادمة من سوريا حيث طبعت بدار الينابيع الشامية.
اما الحدث الابرز من بعد الغبش في حياة المياح خلال هذا العقد “وان كان قد سبق الغبش بست سنوات”، هو دخوله الى عالم الصحافة من بوابة جريدة “الصباح”. التي وحتى وقتنا هذا, يعد “شاكر المياح” من ابرز مؤسسيها, الى جانب “اسماعيل زاير” واخرون.
لا ابالغ لو قلت, ان الصحافة كانت بمثابة نقلة نوعية لـ”شاكر المياح” والسبب انها صيرته من “كاتب هاو” الى كاتب متمرس يمتهن الكتابة. اضافة الى ان مهنة المتاعب, مهدت الطريق امامه واوصلته الى منابع الادب, وأشرعت له ابواب العلاقات والصداقة مع العديد من الكتاب العرب والعراقيين على حد سواء. والمحزن في حدث “الصحافة” انها دامست المياح من أرشيفها التاريخي, ولم تتذكره الا فيما ندر.
وعلى ذكر الصحافة, فان رئيس تحرير جريدة من عديد الجرائد التي استنزفت جسد المياح. هاتفه في اولى ايام مرضه, قائلا : (شاكر, ارسلت اليك مبلغا من المال مع “فلان”لاجل علاجك).
لن اتطرق الى قيمة المبلغ الذي ارسله صاحب الجريدة التي خدمها “المياح” طوال سنواته. ولكني اورد لكم ما قاله المياح لناقل الامانة : (اعد الامانة اليه, فالجريدة بأمس الحاجة الى هذا المال).
2002..1973
بعد انتهاء مهزلة “ام المعارك”. أحيل شاكر المياح الى التقاعد وهو يشغل منصب امر مطار “الصويرة” العسكري. ولما الفى حاله بلا معيل مادي سوى مرتبه التقاعدي, الذي لم يكن ليكفي شراء كيلو غرام واحد من “الطحين”. لجأ الى العمل الحر, وبادئا ذي بدء عمل في تجارة السيارات. ثم ما لبث ان اشترى محال في سوق الشورجة التجاري. وخلال ذلك ابتاع سيارة “Gmc” وراح ينقل المسافرين من مرآب النهضة ببغداد الى بقية المحافظات. وثمة موقف جميل بينه وبين” كاظم غيلان وجمال الهاشمي” حدث بينهم حين اقلهم من كركوك الى بغداد. ولكن سأترك تفاصيله وخفاياه لمن ذكرتهم. فهم اولى مني بالتحدث عنه.
عقب تلك المهن التي امتهنها المياح. حزم ثروته وانفقها على مسرح “علاء الدين” الذي اسسه مع مجموعة من الفنانين العراقيين. وبعد هزيمة المسرح “ماديا” و”النزول” الاقتصادي الذي عصف بالعراقيين بين عشية وضحاها، لم يتبق من ثروته سوى 400 الف دينار, استثمرها في شراء سيارة “واز” العسكرية. ومنذ العام 1996, عمل المياح كسائق “واز” دون ان يأمر احدا من ولده بترك تعليمه من اجل مساعدته في العمل.
الغريب والمحير في هذا الرجل, الذي غبطني عليه الموت فسرقه مني. انه ورغم مجالات العمل التي خلقها لنفسه. لم يكتف بها جميعا, بل راح يبحث عن ثغرة اخرى للرزق, يجابه بها شظف العيش. اذ كان بين فترة واخرى, يعتكف في البيت على صناعة اجهزة صيد السمك التي تعمل على طاقة بطارية السيارة. اما براءة اختراع هذا الجهاز, فتنسب اليه والى الطيار المرحوم “جبار شنون”.
الامر الاخر الذي لا تعرفونه عن “شاكر المياح” ، انه ومنذ العام 1998 عمل مدرسا بمدارس التعليم المهني المسائي, لكن “فاشست” العراق انذاك, عمدوا الى فصله نتيجة مواقفه المناهضة لهم. وعلى ذكر البعث فله واياهم “نزالات” عدة. منها انه خاطبهم حين استعصوا توزيع البطاقات الوقودية”البانزين” على المواطنين قائلا : (الله الله ما اسرعكم في البلوى وما ابطأكم في النجدة) فرد عليه انذاك احد اعضاء قيادة الفرقة وكنيته “ابو ايفان” قائلا : (شاكر, انت المنجل والجاكوج) فقال له : “صدقت, يميني منجل وشمالي مطرقة” والموقف الاخر الذي طالما “تغنيت” به كان, حين جاءت الى زقاقنا في شتاء عام 2000. مفرزة”حزبية” تطارد شابين اثنين, هربا بنفسيهما من مغبة الجيش. ولما وجد المياح استبسال رجال المفرزة في مطاردة الشابين. لقم بنديقته وصوبها نحوهم قائلا : (اذا متعوفوهم افرغ الشاجور بـ..).
اما فترة الثمانينيات والسبعينيات. فكانتا بمثابة الارض “المهاد” التي بني عليها المياح قلعته الاثيرة. ففي العام 1981, تسنم منصب امر مطار الحي العسكري. وعقب مطارالحي تنقل بين مطارات “شبجة, الناصرية, الصويرة”. اذ هيأت له تلك النقلات, توطئة علاقات ود ومحبة بينه وبين عشائر الجنوب. وحتى وقتنا هذا لايزال اهالي “الحي” يتذكرون كيف “تستر” على ابنائهم وشيوخهم الذين انضم غالبيتهم الى “حزب الدعوة” المعارض انذاك. وللوهلة الاولى, أسهب البعثيون بكتابة تقاريرهم عنه, الامر الذي أخّر ترقيته لأكثر من عام. وحين عجزوا عن فك “تستره” نصبوا له كمينا في طريق “المطار_الولاية” لتكون حادثة قتله ذريعة للتخلص من انصار “حزب الدعوة” بحجة انهم قتلوا امر مطار عسكري. لكنه استطاع النيل منهم بمساعدة عدد من الجنود. ولما استدعي الى التحقيق قال ان ماجرى كان “ثأرا” عشاريا بين سائقه الشخصي الذي قتل في محاولة اغتياله, وبين رجال من عشيرة اخرى.
اما بالنسبة لعقد السبعينيات, يمكننا القول انه العقد الاكثر هدوءا في حياته. ففي تلك الفترة, صب جل اهتمامه على اكمال دراسته في روسيا حول طائرات “ميغ 21” وربما الحدث الابرز هو, تدرجه الى رتبة “ملازم”. الجدير بالذكر ان”شاكر”, هو اول ضابط من قبيلة “مياح” في الجيش العراقي.
(مراهقته.. صباه..)
في منتصف الستينيات, وبعد ان اكمل دراسته الاعدادية, تطوع المياح في سلك الجيش صنف القوة الجوية. وقبل ذلك كانت عائلته قد تنقلت بين جانبي بغداد. واعني “الشاكرية,الشواكة, والثورة”. وعن الفترة التي سبقت تطوعه الى الجيش, يحدثنا المياح عن نفسه في روايته الرابعة التي لم يكملها” ولم اكملها انا ايضا” قائلا : ” طفولتي لارائحة لها ولاطعم, واكثر من هذا, صباي الذي قضيته بين المدرسة وسوق “دانيال” الذي كنت ادور بين ممراته ومحاله التجارية, وانا احمل فوق صدري “جنبرا” مثبتا اياه بحبل, اضعه على رقبتي كحبل المشنقة.
في السوق, كنت ادور بـ”جنبري” حول النساء والرجال, وانا ابتلع غصاتي وحسراتي, دون ان يتحسسها احد, كنت اخشى الاقتراب من المتبضعين, الذين كانوا يرفلون ببدلات وفساتين فارهة, ربما لاني كنت انتعل حذاء, مرقعا, او لان ثيابي, محض اسمال بالية, وربما لاني كالمسيح, استنطقني الضيم وانا في المهد, ولم يشر الي ّ احد بالنبوة..!
أتذكر, كيف كانت امي تصحبني معها للتسوق في نهاية كل شهر, بعد ان يتسلم والدي مرتبه, كانت تمسك بكف يدي اليمنى وتخترق قلب سوق “الشواكة”, وانا اتلفت ذات اليمين والشمال وعيناي تبصران, سلال باعة الخضار والفواكه ,برتقال, تفاح, عنب اسود وبالوان اخر.
كم تمنيت ان تشتري لنا والدتي بعضا منها, لنتذوقها مرة واحدة كل شهر او كل عام..!
وحين كانت تمر امام بائعي لعب الاطفال, كنت اشتعل ويشب بي لهب غريب, تسري اواره في شرايني واوردتي, حتى ينطفىء لوحده, مطفئا معه روحي, روحي التواقة للمس لعبة من عديد اللعب المصفوفة على البسطات والمعلقة على واجهات المحال”.
ولادته
ولد المياح عام 1947. في قرية “الراشدية” احدى قرى قضاء الحي. واسمه الحقيقي (شاكر صكبان جارالله). وشخصيا وحتى وقتنا الراهن, لا اعرف حقا ان كان قد ولد في العام 1947 ام في العام 1948. ولا اعلم في اي يوم وفي اي شهر, فهو كسائر العراقيين, اختاروا له يوم 1/7 تاريخا لميلاده. وفي منتصف الخمسينيات,انتقلت عائلته للسكن في بغداد بعد خروج والده من السجن.درس في مدارس بغداد وتخرج في كلية الهندسة, الجامعة المستنصرية, الملغاة. وربما في مقالات اخرى, سأتحدث بشكل مفصل عن “طفولته” وعن حراسته لمرمى منتخب شباب العراق عام 1966. وعن الاسباب التي دفعت بأبيه الى حبسه في البيت.
مني.. الى شاكر المياح
عزيزي”شكوري” حقا انا اغبط البرزخ, لانه الان يتلذذ بروحك اللذيذة. وفي الوقت ذاته, اتأسى على نفسي, التي تركتها دون فطام. ودون “سد” للفراغ الذي خلفه رحيلك. قل ماتقل عني, وأفعل بي ماتشاء, ولكن, دعني اقلك مرة اخرى لساحة الاندلس. او عنفني على تأخري خارج المنزل وانت تهاتفني, ساقرأ لك كتابتي, التي طالما تمنيت ان اقرأها لك.ولم تنل غير هروبي منك. ولكن سأترك لك هذه”القصيدة” واعلم انك تسمعها بصوت روحي.
1..
لاتزال ذاكرتي صالحة
لعطب السومر /ابو الجيس/
ولصمتك ذات عام
حين خانتك سومر
بصمتها..
2…
ياصديقي
ماجردنا الحصار من اسمالنا
نحن
من اودعناها الشمس..
لنمنح اجسادنا
ظلا في النهار..
3…
قميصك الابيض
للان يحفظ اوراقك في الجيب
لكن ازراره
لم تهبط من السماء بعد
4…
بنطالك
كان بلا لون
لكن أفياءه وصلت
حتى اخر المتأففين من
نجمة /ام ذويل/
5…
رغيفنا المقلي
رأوه بعرض السماوات والارض
لذا…
لم يدعنا نوح لسفينته
خوفا من مناهضة
الله..
6…
هذه المرة
مررت بنقرة السلمان وحيدا
لكن دموعك التي سقطت قبل عشرين عاما
لاتزال بمكانها
ساخنة..
7…
وانت هناك
لاتقلق على بيتنا كثيرا
مافتئ القصب يحرسه
واعذاق النخيل…









