هيثم محسن الجاسم
مقدمة توضيحية لمبادئ الذرائعية:
تنطلق الذرائعية النقدية من مبدأ جوهري مفاده أن النص الأدبي ليس كيانًا جماليًا معزولًا، بل أداة وعي ومنفعة، تُقاس قيمته بقدر ما يُحدثه من أثر في المتلقي والواقع معًا. فالذرائعية، كما أسّس لها الأستاذ عبد الرزاق عودة الغالبي، لا تنفي الجمال، لكنها ترفض انفصاله عن الوظيفة؛ إذ ترى أن اللغة، والسرد، والرمز، جميعها وسائل مُسخَّرة لخدمة غاية إنسانية أو اجتماعية أو أخلاقية.
وبهذا المعنى، يتحوّل النقد الذرائعي إلى فعل مساءلة، يبحث في ما يفعله النص لا في ما يقوله فقط، ويُعلي من شأن الأثر ، والجدوى المعرفية، واليقظة الأخلاقية، ليغدو الأدب ممارسة فاعلة في مواجهة القهر، وكشف الخلل، وبناء الوعي الجمعي، لا مجرد متعة عابرة أو زخرف لغوي.
نص “دعاء” يقدم سردًا مكثفًا يشتغل على الذاكرة والغياب، ويحوّل شخصية الجدّ إلى بؤرة دلالية تختزن الألم الجمعي والخبرة ،فإنه لا يُقرأ بوصفه جماليات لغوية فحسب، بل بوصفه فعلًا نافعًا: يفضح، يوقظ، ويمنح المتلقي وعيًا وظيفيًا إزاء القهر الاجتماعي.
أولًا: دراسة النص عبر المستويات الذرائعية:
1) المستوى الذرائعي (المنفعي/الوظيفي):
المنفعة المحقَّقة: النص يؤدّي وظيفة تحريضية أخلاقية، إذ يستدعي دعاء الجدّ “أن لا يسلّط علينا أولاد الحرام ” ليحوّله إلى إنذار اجتماعي متكرر. فيولِّد وعيًا نقديًا لدى المتلقي تجاه تسلّط الفاسدين، ويجعل الدعاء فعل مقاومة رمزيًا، لا طقسًا عاطفيًا فقط.
2) المستوى السردي:
البؤرة هنا: الجدّ،الصورة،السعال، الدعاء.
اما التقنية: باسترجاع يربط الحاضر البائس بماضٍ مُؤسِّس.
المنفعة الذرائعية المتحققة ، تجسدت بتكثيف الذاكرة الفردية لتغدو ذاكرة جمعية، اي الصورة ليست تذكارية بل وثيقة اتهام.
3) المستوى الدلالي: ان دلالات النص ؛ السعال والرئة المتآكلة: فساد الداخل/ اختناق المجتمع.
والسيجارة الرخيصة: فقر بنيوي لا اختيار فردي.
والديك الثابت بعد الفجر: فجر مؤجَّل/أمل معلّق.
والضرس الأسود الوحيد: بقاء الحقيقة ولو مسوَّدة.
كلها تنقل المعاناة من الوصف إلى تفكيك أسبابها.
4) المستوى اللغوي: جُمَل النص طويلة متراكبة تحاكي تراكم البؤس مع مفردات حسّية (سعال، دخان، ذباب).
تحقق الإقناع عبر المحسوس أضافة للغة بما يخدم الغاية لا التزيين.
5) المستوى الجمالي:
الصور الجمالية (الديك/الشاي/الذباب) تُسخَّر لفضح المفارقة لا لإبهار زخرفي. و تثبيت الرسالة في الذاكرة عبر صورة نافذة.
ثانيًا: المداخل الذرائعية المعتمدة:
المدخل الاجتماعي:
يُدين النص بنية الفقر والتسلّط، ويحوّل الدعاء إلى خطاب احتجاج. برفع الحسّ النقدي الجمعي.
المدخل الأخلاقي:
المقابلة بين شكر الجدّ لله وخراب الواقع تُنتج سؤال القيم. بإعادة توجيه البوصلة الأخلاقية.
المدخل النفسي:
السعال بوصفه ذاكرة سمعية تطارد الراوي بعد الموت. وتكشف أثر القهر طويل الأمد على الوعي.
المدخل الرمزي:
الصور المؤطَّرة بالحكايات: سردية السلطة الشعبية المضادّة.و ترميز التجربة لتعميمها دون خطابية مباشرة.
لقد نجح نص «دعاء» في تحقيق شرط الذرائعية الأسمى: المنفعة. فهو لا يكتفي بتصوير البؤس، بل يُفعِّل الوعي ويحوّل الذاكرة إلى أداة مساءلة. نحن امام نصًا واعيًا بوظيفته، متوازنًا بين الجمال والجدوى، ومتمركزًا حول أثره في المتلقي بوصفه شريكًا في المقاومة الرمزية.









