ثقافية

الأعور.. دراما التابوت ومحاكمة الجماعة

دراسة نقدية ذرائعية مستقطعة

النص ” الاعور” للقاص جميل ماهود / العراق

من أين لكم هذه القسوة وأنتم تحشرون جسدي في هذا الصندوق الذي لم يكن على مقاسي؟ ثم أهكذا تكرمون الميت حقا؟! وأنتم تحشرون جسدي في مثل هذا التابوت المتصدع والمفعم بالعفونة. لو كنت رجلا ذا جاه وثراء، هل كنتم تفعلون به مثلما تفعلونه بي الآن؟

ههه… أراكم تبالغون كثيرا في شد وثاقي فوق ظهر سيارة البيك أب المتهالكة!

أعرف أنكم تخشون سقوط التابوت أكثر مما تخشون سقوطي وتهشم جمجمتي! يا لكم من قساة.

ما بكم وأنتم تتناسون اسمي الآن كما كنتم تتناسونه سابقا؟

كنتم تنادونني بالأعور، رغم أنني أحمل اسما وهوية. والآن تصرخون: حاذروا أن تسقطوا الجنازة!

هناك من يرفع عقيرته قائلا: حاذروا أن تلامسوا جسد الميت، لأنه نجس.

قال أحدهم، وهو من كان أقربهم إلي: لقد تجشمنا عناء الحضور ومشقته، كل ذلك لوجه الله تعالى. أتمنى لو كان هذا الأعور يستحق ذلك.

لولا بعض المحسنين، جزاهم الله خير الجزاء، لقد تطوعوا لنقله إلى مقبرة المدينة، بدلا من أن يدفن هذا الأعور من قبل البلدية ويوضع بين فيض من الركام والأنقاض.

شيعتم بين الناس أن عيني الكليلة لها قدرة خارقة ومرعبة على أن تحيل الأشياء إلى بقايا رماد. وجعلتم الناس ينسجون عني الكثير من الحكايات؛ فمنهم من قال إنني استطعت أن أجز رأس نخلة بنظرة واحدة من عيني العوراء. والكثير منكم كان يتحاشى النظر إلي كي يتوقى شر عيني.

كم أقسمت لكم أن كل ما تسمعونه وسمعتموه عني هراء. أقسم لكم إنه هراء. ولكن ذلك لم ينفعني بشيء.

الكل كان يتطير مني. جعلتموني في عقولكم المريضة مصدرا للشؤم.

قال قائل منهم: ضعوا الغطاء فوق التابوت، فقد بدأ الميت ينفث روائح كريهة.

مقدمة

إذا قرأنا “الأعور” بوصفه نصا دراميا متأثرا بالمسرح، فإننا لا نتعامل معه كسرد قصصي تقليدي، بل كمونودراما جنائزية يتواجه فيها صوت الميت مع جوقة جماعية تمثل الوعي القطيعي. وهنا يصبح الشكل الحواري أداة كشف، لا مجرد تقنية فنية.

ووفق مبدأ جون سيرل في الأفعال الكلامية، فإن اللغة ليست وصفا للواقع فحسب، بل فعل ينتج واقعا. أي إن ما تقوله الجماعة عن “الأعور” هو الذي يصنع صورته الاجتماعية، فالتسمية نفسها فعل إنجازي يؤسس للوصم.

أولا: البنية الدرامية للنص

النص يقوم على:

  • شخصية مركزية واحدة (الميت): صوت واع ساخر محتج.
  • جوقة جماعية غير مسماة: أصوات متفرقة تمثل العقل الجمعي.
  • فضاء مسرحي واحد: الطريق إلى المقبرة.

هذا البناء يقترب من المسرح أكثر من القصة، لأن الحوار هو المحرك الأساسي، ولأن التوتر ينبني على تبادل الأقوال، والحدث قائم على المواجهة الصوتية.

ويؤدي الميت دور الضمير الكاشف، بينما تؤدي الجماعة دور النسق الاجتماعي المهيمن.

ثانيا: تقنية الحوار بوصفها أداة فضح

الحوار ليس متكافئا، بل قائم على مفارقة:

  • الجماعة تتكلم من الخارج.
  • الميت يتكلم من الداخل.

هذا التوازي المكاني (داخل/خارج) يعكس توازيا دلاليا:

  • داخل التابوت = وعي حي.
  • خارج التابوت = وعي ميت.

إذن الحوار يكشف التناقضات:

  • “لوجه الله تعالى” مقابل “أتمنى لو كان يستحق”.
  • “حاذروا الجنازة” مقابل تجاهل كرامة الإنسان.
  • “نجس” مقابل ادعاء التدين.

ثالثا: قراءة النص على مبدأ سيرل (الأفعال الكلامية)

وفق سيرل، كل قول يتضمن:

  • فعلا قوليا: الجملة نفسها.
  • فعلا إنجازيا: ما يقصده القائل بالفعل.
  • فعلا تأثيريا: الأثر الناتج في المتلقي.

بتطبيق مبدأ سيرل على النص:

قولهم: “الأعور”

  • الفعل القولي: تسمية.
  • الفعل الإنجازي: اختزال الهوية.
  • الفعل التأثيري: إنتاج عزلة اجتماعية.

قولهم: “نجس”

  • الفعل القولي: وصف.
  • الفعل الإنجازي: إقصاء أخلاقي.
  • الفعل التأثيري: تبرير القسوة.

قولهم: “لوجه الله”

  • الفعل القولي: عبارة دينية.
  • الفعل الإنجازي: تبرئة الذات.
  • الفعل التأثيري: إخفاء النفاق.

إذن اللغة لا تصف الأعور، بل تصنعه اجتماعيا.

رابعا: تغليب المضمون على الشكل

رغم البعد الدرامي، لا يستعرض النص مهارة شكلية بقدر ما يركز على:

  • فضح التنمر الاجتماعي.
  • نقد الطبقية (لو كنت ذا جاه…).
  • تفكيك الخرافة الشعبية.
  • مساءلة الخطاب الديني حين يتحول إلى قناع.

أما الشكل المسرحي فخادم للقضية، لا العكس. وهنا يتحقق المبدأ الذرائعي: الأولوية للوظيفة الأخلاقية والإصلاحية.

خامسا: القضية المركزية

القضية ليست عينا عوراء، بل كيف تصنع الجماعة “شيطانها الصغير” عبر اللغة، ثم تصدق ما صنعت.

النص يطرح سؤالا دراميا أخلاقيا:

هل المختلف يقصى لأنه خطر، أم لأنه يفضح هشاشة الجماعة؟

أخيرا

قصة “الأعور” نص درامي قصير يقوم على مونولوج احتجاجي في مواجهة جوقة اجتماعية. وباستخدام تقنية الحوار، يكشف كيف تتحول اللغة، وفق تصور سيرل، إلى أداة لإنتاج الوصم والنبذ، بحيث لا يكون الميت موضوعا للشفقة، بل شاهد اتهام ضد خطاب جمعي يصنع ضحاياه بالكلمات قبل الأفعال

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان