عدنان الفضلي
مشغل النقد العراقي يقدم دائماً كشوفات ومرافعات بشأن المنجز الأدبي العراقي، كما أنه مثقل بتقديم عروض نقدية للنتاج السردي والشعري العراقي عبر دراسات وبحوث ومقالات نقدية.
مؤخراً صدر عن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق كتاب نقدي جديد للناقد مروان ياسين الدليمي تحت عنوان (علامات سرديّة) تناول فيه عدداً من الروايات العراقية التي صدرت في الفترة المحصورة بين عامي 2003 و 2024 مدخلاً إياها في مشغله النقدي.
في مقدمة الكتاب التي كتبها الدليمي نفسه يأخذنا الناقد في سياحة أدبية تخصّ المشغل النقدي الذي يختصّ بالسرد العراقي، حيث أنه يحدثنا عن النقد منذ تسعينيات القرن المنصرم وحتى عام 2024 مؤكداً على التطوّر الحاصل على السرد في هذه الفترة تحديداً حيث يقول “ابتداء من تسعينيات القرن الماضي شهد المشغل السردي في العراق تحولاً واضحاً باتجاه الكتابة الروائية ، وتصاعد هذا الإهتمام بعد العام 2003، ولعل في مقدمة أسباب ذلك يعود الى غياب الرقيب الأمني الذي كان حاضراً في نفوذه داخل المؤسسات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية”.
من الروايات المهمة التي دخلت المشغل النقدي لمؤلف الكتاب هي رواية (سيدات زحل) للروائية لطفية الدليمي، حيث خصص لها مقالاً بعنوان (اشتباك الأزمنة في بنية السرد) وفيه يحلل الناقد الفصول التسعة التي تضمنتها الرواية، مؤكداً على “زمكانيتها” حيث بغداد القديمة وما كانت عليه من انفتاح وتنوع في الأعراق والأصول.
الناقد يرى الروائية لطفية الدليمي في متنها الحكائي تقدم ما يشبه السيرة ليس لشخصيات الرواية فقط، بل لمدينة بغداد، فالمتن السردي مليء بتطورات المدينة وتشظيها نتيجة الأحداث المؤسفة التي تتابعت بالحدوث، حيث الحروب والأحداث السياسية التي أعقبت أحداث عام 2003 وما جاء من بلاء على أهلها حيث يقول في هذا المقال ما نصّه “تعيش البابلي لحظة نفسية ووجودية قلقة لا مكان فيها للشعور بالهدوء على وقع أنغام حرب ملعونة تسحق المدينة ما أن تجتاحها الدبابات الأمريكية ويستبيحها مسلحون ملثمون متطرفون”.
رواية أخرى دخلت مشغل الديمي النقدي، وهذه المرّة رواية تشتغل على المكان كثيمة مهمة، وأقصد رواية (فندق كويستان) للروائي خضير فليح الزيدي حيث يأخذنا الناقد الى العوالم التي رسمها الناقد في روايته مؤكداً على أن أشخاص روايته وخصوصاً الشخصية المحورية، قد تضرروا من أمكنتهم التي عاشوا فيها، فالشخصية المحورية (ناصر) عانى من عمله كمنتسب في مركز تسليم جثث شهداء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي.
في عنوان فرعي من المقال النقدي (إثارة الأسئلة) يرى الناقد أن الروائي خضير فليح الزيدي يمتلك إرهاصات مختلفة عن كثير من الروائيين العراقيين، كما يجده في تقارب من حيث الشكل مع الشخصيات التي تقود متن روايته حيث يقول “يبدو الزيدي منسجماً كثيراً مع إرهاصات الكتابة السردية التي أنتجتها أشكال ما بعد الحداثة في تطبيقاتها الفنية على ما تطرحه من كتابات”.
رواية (جسر التفاحة) للروائي عواد علي كانت ضمن مشغل الدليمي النقدي، حيث دخل في عوالمها متفحصاً مكاناً جرت فيه أحداث مريعة، بقيت آثارها حتى اليوم، وأقصد مدينة الفلوجة، كما يشير الناقد الى أن الروائي استبعد من ستراتيجية خطته الروائية محاكاة واقع تلك المدينة بعد عام 2003 حتى لا ينساق في خطابه الى ضغط ما عانته تلك المدينة.
يجد الناقد في المتن الحكائي لرواية (جسر التفاحة) مشتركات كثيرة بين شخوص الرواية، منها تعبهم من الأحداث المؤسفة التي شهدها العراق، ونزوح أغلبهم الى خارج المدن، وحتى خارج البلاد حيث يقول في مقاله ما نصّه “الرواية زاخرة بالأحداث وبشخصيات تنتمي الى أديان وقوميات وأعراق مختلفة (عراقيون، سوريون، سودانيون، مسيحيون، مسلمون، سنة، شيعة، شبك، أيزيديون، تركمان) معظمهم عانوا من قهر الجماعات الإسلاموية المتطرفة، فأصبحوا نازحين في بلدهم، وتشاء الأقدار أن يلتقي السارد بعدد منهم ثانية في بلاد اللجوء في تركيا وألمانيا”.
الكتاب الذي جاء بواقع (338) صفحة من القطع المتوسط، ضم روايات كثيرة لكتاب وكاتبات من داخل العراق وخارجه من بينهم انعام كجه جي وسعد محمد رحيم ومحمد علوان جبر وحميد الربيعي وهدية حسين وشاكر الأنباري وسعد سعيد وسنان انطوان وأحمد سعداوي وأسعد الهلالي وغيرهم الكثير.









