بعد وصولي من صحراء النفي إلى هولندا، لاجئاً، فقيراً، أدرس ممتحناً بمعضلة اللغة الجديدة، قبل مشوار الأعمال الشاقة.. تواصلت وأصدقاء سبقوني إلى مناف أوروبية، وكان الحلم أن نلتقي، فعرضت عليهم القدوم إلى أمستردام العاصمة. وصلوا فبدأت أول الأيام الجميلة، كان بين مدينتي ومركز العاصمة 20 كم، قطعناها على دراجات هوائية استعرناها من أصدقاء. كنا خمسة، وبطاقة الدخول إلى متحف الفنان فان كوخ، بحدود 25 دولاراً تقريباً، وبحكم الضيافة ارتأيت الدفع نيابة عنهم. اقتربت من البائع، ومتلعثماً بالكلمات الهولندية أخبرته أن لي تخفيض الطلبة، فسخر رافضاً كلامي. على بوابات متحف فان كوخ، ثمة انتظار أزلي إذ تحتاج غالباً إلى ساعتين للدخول. دفعت المبلغ، وأوقفت أصحابي في مسيرة الانتظار، عائداً إلى بائع التذاكر برجاء مقابلة المدير أو أي مسؤول لأثبت رهان الأمل بتذاكر منخفضة السعر، لو كنت أقابل رجلاً واعياً متفهماً متعاطفاً وعارفاً بحكاية (فنسنت فان كوخ) الإنسان!. قال المسؤول: لديك دقائق قليلة، تفضل!. تزاحمت الكلمات في دمي، فلست أستعطي، والمسألة رسمية وميؤوس منها، ولكن لا قنوط، فرجاء الانتماء الحق إلى لحظة روحية عميقة للفنان الزاهد الكبير، الذي كان قبل مشواره الفني واعظاً دينياً (رسمياً) لعمال بائسين، كان يؤثرهم على نفسه غالباً بمنحهم كل ما يملك من مأكل وملبس، وبأقصى وعي متدين نبيل زاهد، لم تفهمه حتى الكنيسة، فطردته من منصبه. سألت الرجل المسؤول: هل تفهم هذه الحالة؟. قال: نوعاً ما!. أيها السيد لو كان النبيل فان كوخ، وبتلك الروح المؤثِرة والمُؤثـِّرة في الشرق لصار نبياً. لكنه علم أن نبوة أخرى ستكون له أوروبياً، لحظة قرّر- مطروداً- من (عالم الدين)، أن يصبح فناناً ليصنع معجزته في هذا العالم، وبكل ما أوتي من إبداع. لمن يذهب، وإلى من يشتكي؟. كان الرسام الفرنسي جوليس بريتون أقرب فنان يؤمن بفنه، ولأجل زيارته والشكوى له عليه المشي لسبعين كيلومتراً، فلم يكن يملك سوى 10 فرنكات. قلت: هل تفهم هذا أيها السيد؟. قال: أكمل. كان فنسنت نبيلاً خجولاً، لحظة وصل إلى بيت جوليس تردّد ولم يطرق الباب، ليعود منهاراً مستوحشاً رحلته المضنية. هل فهمت أيها السيد؟. ماذا لو طرقت أنا باب فنسنت فان كوخ، لأخبره أن أرخص لوحة له بيعت بـ50 مليون دولار، بينما لم يبع هو في حياته البائسة سوى لوحة واحدة، قيل إنها كانت بـ 40 دولاراً. وهل سيرضى أو يصدّق أني دفعت لأصدقائي 100 دولار لأجل زيارته؟. فتح الدرج وسلمني بطاقات بنسبة تخفيض تصل إلى نصف السعر، عدت إلى المحاسب المتجهم الذي استكثر عليّ حصول المعجزة، وهو يعيد لي مبلغاً كان كافياً لوجبة غداء فاخرة من فلافل وخضار، تمنّينا لو أن (فنسنت) شاركنا فيها!.
اهم الاخبار
كتاب الحقيقة
فلافل لصديقنا فان كوخ!
- 30 أكتوبر, 2017
- 78 مشاهدة





