هناك آلاف العراقيين، سواء من موظفي الدولة أو من العاملين في القطاع الخاص، يحترمون القانون احتراماً حقيقياً، ولا يحيدون عنه وإن كلفهم الكثير من المتاعب، ولكن صديقي محمد الجبوري (أبو علي)، بقدر ما ينتمي الى هذه الشريحة، فانه متطرف الى حد الهوس اذا جاز التعبير، يعشق الانظمة والقوانين، والعمل على تطبيقها في عمله الوظيفي، وفي حياته العامة على حد سواء. التحق ابو علي بوظيفته في منتصف العقد الثمانيني من القرن الماضي اذا لم تخذلني الذاكرة، وكنا نتبادل الزيارات (العائلية) باستمرار، ولكن زياراتي الخاصة الى مقر عمله، كانت نادرة جداً، وقد يمضي العام على العام من دون زيارة، لأن مكتب الرجل كان يغص بالمراجعين على مدار ساعات الدوام الرسمي، وسبب ذلك، إن أي مراجع تتعرقل معاملته، أو يطلبون منه (رشوة) بطريقة خفية يلجأ الى الرجل الذي بات المواطنون ينادونه (عمو) احتراماً وتحبباً، وقد دأب ان يقول لكل من يلجأ اليه (اترك القضية على القانون)، ثم يتولى بنفسه متابعة قضاياهم ولن يتركها حتى ينتهي من انجازها، وقد لاحظت ان غرفته الضّاجة بالمراجعين كانت محطة استراحة لشيخ طاعن في السن او امرأة عجوز او سيدة حامل، وغالباً ما كان يتركهم يأخذون ما يكفي من الراحة ويتولى هو متابعة معاملاتهم، ولهذا كان اسمه في الدائرة اشهر من نار على علم، وكانت الدعوات بالخير والتوفيق والعافية تلاحقه في كل خطوة من خطواته.. ولعل اشد ما اثار اعجابي في العم (أبو علي) إنه مع كل علاقتي الوطيدة معه شخصياً واسرياً ، كان يحرص في المرات القليلة التي زرته فيها، على أن لا ينشغل معي على حساب المواطنين ومعاملاتهم، ولهذا انقطعت عن زيارته نهائياً، ولكن الزيارات العائلية المتبادلة بيننا تواصلت كما هي.. لم تتغير الحال بعد سقوط النظام، باستثناء ان مشاغلي باتت كثيرة، واستغنينا في مرات عديدة عن الزيارات المتبادلة، وجعلنا الموبايلات بديلاً للاستفسار عن الاحوال والامور والصحة.. الخ واعترف ان سنوات طويلة مرت من دون ان يسأل أحدنا عن الاخر حتى عبر الموبايل.. كنت أشعر باشتياق حقيقي لصديقي واسرته، وكلما هممتُ للاتصال به هاتفياً أو عبر زيارة اسرية، أخذني انشغال هنا وانشغال هناك!! قبل مدة ليست بعيدة، صادف مروري قريباً من دائرته، ورأيت انها فرصة طيبة لزيارته في مقر عمله ولو لعشر دقائق، وهكذا دخلت مكتبه بصورة مفاجئة، نهض الرجل وعانقني وما كدت أجلس الى جانبهِ حتى اقتحم أحد المراجعين الغرفة من دون إذن كالعادة، وقال (عمو أبو علي يصير المعاملة مالتي..) وقبل أن ينتهي بادرت أنا وقلت له (اترك القضية على القانون) غير أن صديقي انتظره حتى انتهى من شكواه، ثم قال له: اترك القضية على الله…
اهم الاخبار
كتاب الحقيقة
مصير القضية!!
- 30 أكتوبر, 2017
- 73 مشاهدة





