كتاب الحقيقة

المدينة العظمى

كثيراً ما نسمع بهذا اللقب (المدينة العظمى )، والسؤال المزمن .. مَن هي المدينة العظمى ؟ وقد يدور بذهننا أو سريرتنا بأننا أصحاب الحضارة الأولية على الأرض ومن أوجد اللغة ومفاتيحها وقوانين الحكم والتنظيم الإداري والفنون، وكأننا فعلاً خير أمة أخرجت للناس وعليه يجب أن نكون نحن أصحاب اللقب ،ولكن المتتبع لتاريخنا المتورط بالأزمات المفتعلة والمتحققة على هذه الأرض التي خصها الله بالنبوة والمعجزات وقبلها تنفست الحياة بحجرها ومائها وما فيها ، سيجد أن ذلك يبدو خافتاً مع التدهور للقيم والتطور وساء ما يفعلون أصحاب الحكم والحل والربط بهذه  الأرض وتاريخها ،والأكثر دهشة وأسفاً ماحلّ بشواهد هذه الحضارة من تدمير وسرقات وإخفاء ، وصاحبها تدمير للمنجز العلمي والأدبي الذي خلفه علماؤها وأدباؤها وبدل أن تكون في المقدمة سحقتها بعض الأمم بالسير مسرعا أمامها لتعمر الأرض وما عليها، وتبقى حضارة الحضارات متأخرة بسبب رجالاتها  والفارغين من أصل التاريخ والحضارة .

حين يحارب العلم بطرق شتى ومبطنة يعني قتلاً للمعرفة المنظمة وغياب الحياة المنظمة بعدها ،أو حين تحارب فنونها لتكون فنونا شاخصة في أبهى صالات العرض بدول أخرى نعاني كثيراً ونسرف الأموال لمشاهدتها هناك بإذن من مقتنيها ، أو حين تخرب مواردها وجمال طبيعتها وتـُهمل بقساوة ونذهب بحثاً عن متنفس لهواء أو مشاهدة البحار والأنهار والخضرة في بلدان أخرى، تجني وارداتها من سياحتنا نحن المبهورين بخساراتنا بسبب سلطات لا تحكم إلا قوائم الربح في السرقات المنظمة وتنتظر دولاً مانحة للمساعدات والديون ومنحها فرصاً تخدمها أكثر وتعمل بمنطق (أمنحك السمك ولا أعلمك كيف تصطاده) .

وكثيراً من مفاصل الحياة الواجب بناؤها عن طريق العلم والمعرفة، يحاول البعض دس السم بالعسل لتخريب كل شيء والتلاعب بمفردة الدين وقيمه الكبيرة واعتباره بديلا عن العلم والحضارة في حين ان الدين يؤكد ضرورة العلم في كثير من طروحاته الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية وبليغ الأئمة والتلاعب بمفرداته باجتهادات فردية تمويهية تجعل الناس في خفوت من بناء الحياة وتعمير الأرض التي أمر الله بتعميرها . وهنا يجدد السؤال نفسه.. أين المدينة الفاضلة أو العظمى  التي نحلم بها ونتطلع لتحقيقها ،أين العلماء ؟ أيم المديرون ؟أين المعلمون ؟ وماذا نقول ونحن نرى العلماء والمديرين والمثقفين على أبواب الملوك !بئس العلماء والمثقفون ، وبئس الملوك !.

في المدينة التي كنا نخطط لنشوئها أو استعادتها تتساقط فيها أصول التفكير ،والإبداع محارب فيها والمخلص لا مكان له لأنه سيكون نداً للمصالح الشخصية والشللية المتحدة حول الباطل حفظاً لأهداف مشتركة   .

المدينة العظمى التي ننشدها ،يتدمر التعليم فيها ليتحول الى صفقات تجارية وربحية ، يتدمر الانسان فيها فلا حقوق ولا مجال لممارسة ما يحب ويجيد  ،تتدمر زراعتها ،تتدمر صناعتها ، تتدمر آثارها ،يُسرق نفطها ،تدمير بناها التحتية ،يـُفسد قضاؤها ،يغيب عدلها بتنشيط الأعراف القبلية ، يعم فيها الفساد الاداري والمالي بفوضى العلاقات غير القانونية ،أين تنافسها مع الدول ؟، أين نتاج وزاراتها المتخمة بالموظفين العاطلين ؟أين مصانعها ؟ أين سياحتها ؟أين الدين الذي ميزّها عن الأمم؟ أين ملامح المدينة العظمى التي يسودها العلم والحضارة والبناء والرخاء والحرية !؟

بغياب المؤسسات والقانون والعدالة والثقافة ،لا عظمة لأي مدينة تذكر.وستبقى أصواتنا شحيحة ومبحوحة طالما يستبد الظلم في كل مقررات حكامها .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان