كتاب الحقيقة

الحرب الجيدة

أفضل الحروب هي تلك التي تنتهي بتغيير الوعي العام للمجتمع وتدفعه الى نبذ العنف والدعوات لحمل السلاح من أجل حل المشاكل؛ هذه النتيجة لم يصل اليها مجتمع حتى الآن بالمعنى المطلق لكن الكثير من المجتمعات قررت ان يكون العنف الوسيلة الاخيرة في التعامل بين الدول والجماعات والافراد؛ هذه النتيجة تتحقق بسبب الادراك العام لفداحة الحرب؛ وفشلها في حل المشاكل بل وخلق مشاكل جديدة ليس فقط بين الاطراف المتقاتلة وانما ايضا داخل كل طرف.

مع اعلان النصر النهائي على داعش في العراق؛ نحتاج الى تقييم تجربة الحرب؛ نظام صدام لم يسمح يوما بإنجاز ذلك التقييم؛ المقصود به الحرب كظرف انساني وتجربة بشرية بغض النظر عن النتيجة التي مهما كانت مفرحة الا انها لاتعوض الخسائر البشرية والمادية التي تخلفها الحرب؛ التقييم الانساني والاقتصادي للحرب بقي دائما مرفوضا؛ فمجتمعات الحماسة يهمها النتيجة فقط؛ اما نصر يستدعي الفرح او هزيمة تدعو للبكاء والعويل؛ ولذلك لم يتراكم وعي عام يرفض الحرب او ينبذ العنف؛ وكثيرا ماذهبت مجتمعات الشرق الاوسط الى حروب كارثية حبا بصور حمل السلاح واطلاق النار.

لنتذكر دائما ان الحرب على داعش التي انتهت في العاشر من كانون الاول 2017 هي من أنبل الحروب؛ فهي حرب دفاعية لحماية وجود وانقاذ مجتمع؛ وهي بالاساس حرب مفروضة لم يكن للعراقيين خيار في خوضها ولنتذكر أيضا ان داعش هو تطور لجماعات مسلحة كانت تشن حربا ارهابية ضد المدنيين ومؤسسات الدولة منذ سنوات طويلة؛ وبالتالي ليس لنا ان ننكر ملابساتها السياسية والاطار الاجتماعي وهذا التذكير يعني الذهاب الى ضرورة تغيير الوعي العام وتحديدا موقفه من الحرب التي لايمكن ان تكون اول الحلول المطروحة عندما تتشب اي مشكلة؛ فنهاية الحرب على داعش لا تعني نهاية الارهابيين وخططهم.

النصر على داعش كان استثنائيا في كل شيء؛ ابتداء من تركيبة العدو واهدافه واساليبه الوحشية وانتهاء بقوة الصد العراقية في تركيبتها واسلوبها وطريقة تشكيلها وكذلك في استثنائية الكلفة وزمن الحرب؛ وهذا النصر له اعداء كثر يريدون محوه من الذاكرة بدوافع عدة واسهل طريقة عند هؤلاء هو تمهيد الطريق لحرب جديدة قد تعتمد على نفس اساليب التحريض والاثارة القديمة وسيكون ذلك التوقيت الذي ينكشف فيه تطور الوعي العام وقدرة المواطنين على استيعاب درس الحرب القاسي.

يجب ان تصارح الحكومة المواطنين بالواقع؛ الطريق نحو استعادة الحياة الطبيعية في المناطق المحررة لن يكون سهلا فهذه المناطق لم تكن فيها حياة طبيعية حتى قبل احتلال داعش بسنوات عديدة اذ انها كانت دائما ساحة حرب والكثير من خدماتها وبنيتها مخرب ثم ازداد الخراب بسبب داعش الذي زرع بذورا كثيرة لمشاكل مستقبلية؛ ليس فقط بتعمده تخريب البنى الاساسية للمناطق التي احتلها وانما ايضا بالعقد الاجتماعية التي خلفها وراءه؛ الاموال شحيحة والمؤسسات العامة الخدمية ادؤاها ليس مقبولا والقوى السياسية لن توقف صراعاتها؛ هذا كله يجب ان يقال للناس في المناطق المحررة بوضوح كتأسيس لإفهامهم بأن الطريق مازال طويلا لاعمار مناطقهم وانهم يجب ان يفكروا دائما بوجود متضررين كثر من الحرب ضد داعش ولهم حقوق ايضا، واذا كان من حق المواطنين في المناطق المحررة ان يغضبوا من الاداء الحكومي المحلي والمركزي او ان يطالبوا بحياة جيدة فإنهم لا يمتلكون حق السماح للمحرضين بالسيطرة عليهم مجددا؛ ولا ان يقبلوا اي مبرر للعنف او حمل السلاح ضد الدولة او التمرد على مؤسساتها؛ لقد كان الدرس مكلفا جدا ومن الغباء اعادته بعدما تكشفت الحقائق القاسية عن كل المحرضين في الداخل والخارج وتبين كذبهم الواضح وكل من يدعي حرصه وحبه لسكان المناطق المحررة فعليه التعبير عن ذلك بطريقة تدعم اعادة اعمار هذه المناطق وتسهيل حياة سكانها.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان