ثقافية

ناصر عراق .. تشكيلي استجاب لغواية الرواية

أحمد رجب

 

ناصر عراق، فنان تشكيلي مارس العمل الصحفى لأكثر من ثلاثين عامًا، لكنه مع الألفية الجديدة ومتغيراتها استجاب لغواية الرواية، فانطلق فى روايته الأولى “أزمنة من غبار” من لحظة انهيار الشيوعية والمعسكر الاشتراكي وتابع حرب بوش الأب على العراق، بينما في روايته الثانية “من فرط الغرام” يتابع انهيار برجي نيويورك وحروب بوش الابن. لحظتان فارقتان انطلقت منهما الروايتان، بينما الروايات الست التالية تحفر تحت سطح واقعنا المهترىء بحثًا عن جذور ما يشهده واقعنا من تحولات.

بالرغم من أن الروائي ناصر عراق بدأ مسيرته مع الكتابة صحفيًا، ورغم الوصف الشائع للصحافة بأنها صاحبة الجلالة، إلا أنه وفي عنوان أحدث رواياته يصف بلاطها بالأسود، رغم الدلالات السلبية لهذا اللون فى المخيلة الشعبية، حيث يؤكد أنه قصد ذلك، ويضيف: “علينا الاعتراف بأن صحافتنا المصرية في العقود الأخيرة تقلصت حرياتها كثيرًا، وباتت أسيرة لنظام الحكم بشكل فج، وقد عملت في الصحافة قبل أكثر من ثلاثين عامًا، وعاينت تحولاتها المخيفة، فكم من محررين محدودي الكفاءة صاروا (نجومًا) في زمن مبارك وما تلاه فتصدروا المشهد الصحفي دون وجه حق، وبالطبع تم مقابل ذلك إقصاء المخالف وغير التابع، من هنا بدأ الدور المعرفي والتنويري الذي لعبته الصحافة منذ نشأتها في مصر قبل قرنين من الزمان تقريبًا في التراجع، لذا وصفت بلاطها بالأسود، أقولها بحزن حقيقي، لكنها الحقيقة”.

وعن التشابه الذي يراه البعض بين بطل الرواية وبطلي “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ أو “الرجل الذي فقد ظله” لفتحي غانم فإن ناصر عراق ينفيه تمامًا، ويقول: “ربما يرى البعض التشابه لمجرد كون الروايات الثلاث عن مهنة الصحافة، أما بطل روايتي فأتخيل أنه لا يشبه يوسف السيوفي بطل “الرجل الذي فقد ظله”، فالسيوفي يمتلك الكفاءة رغم ما تعانيه شخصيته من نواقص، كذلك لا يشبه رؤوف علوان بطل “اللص والكلاب” رغم انتهازيتهما، إلا أن صالح رشدي في “البلاط الأسود” شخص غير موهوب تسلق على أكتاف جهاز أمن الدولة المباركية، ثم بمهاراته المشبوهة عرف كيف ينافق كل أنظمة الحكم في مصر بعد سقوط مبارك.

 

• الاغتراب ونبوءة العاطل

عن التشابه بين بطلي روايتيه الأولى والثانية وعن القواسم المشتركة بينهما وبين الروائي نفسه يقول عراق: “في ظني أن شخصية كل كاتب منثورة في جميع أعماله بشكل أو آخر، بمعنى أن أفكار الشخصيات الروائية وآراءها وطموحاتها وعذاباتها جزء مما اعترى الكاتب نفسه في مشواره مع الحياة، حتى لو كان جزءًا غامضًا باهتا، فضلا عن أن الروايات الأولى غالبًا ما تستند إلى استلهام مناطق ما من سيرة الكاتب، لكن دعني أخبرك أن التشابه بين خالد عبدالعزيز وسامح عبدالرحمن وبيني بالغ الضآلة، ربما طبيعة عمل كل منهما هي التي أوحت للقارئ بفكرة التشابه، فخالد يعمل رسامًا، وسامح محرر صحفي، وكلا المهنتين أعمل بهما “.

وعن روايته “العاطل” التى صدرت في يناير/كانون الثاني 2011 ورصدت أحداثًا ومواقف محتقنة كان لا بد أن تؤدي الى الثورة، قال عراق: “هي بمعنى ما نبوءة، وإن كنت أظن أن قارئ التاريخ المصري يدرك جيدًا أننا وصلنا بعد ثلاثين سنة من الحكم البائس لحسني مبارك إلى لحظة فارقة، وأن طبول الثورة كانت تدق بقوة على أبواب الشباب المحبط اليائس، وقد توقع منصور عبدالعليم البطل الثاني في (العاطل) أن الثورة قادمة حتمًا، ومن عجب أن الطبعة الأولى من هذه الرواية صدرت يوم 24 يناير/كانون الثاني 2011، أي سبقت الثورة بيوم واحد”.

وعن إقدام الشخصيات فى كل رواياته على السفر بعيدًا عن الوطن، وهل ذلك مجرد انعكاس للواقع أم له دلالات أخرى؟ يؤكد عراق “من أسف أن دولًا عربية ذات تاريخ عتيد مثل مصر والعراق وسوريا صارت دولًا طاردة لأبنائها، فهي لا توفر لهم الحياة الكريمة اللائقة، وفي المقابل سعت الكثير من دول الخليج إلى تطوير مدنها واستقدام الكفاءات من البلدان العربية، الأمر الذي دفع الآلاف من أبناء شعوب عربية إلى الترحال نحو مدن الخليج بحثًا عن حياة أكثر إنسانية، وكان يجب التعرف على العرب الذين تركوا بلدانهم وعملوا في الخليج، وأظن أن الرواية هي أفضل وسيلة لرصد هذا الجانب الجديد في حياتنا”.

 

• المرأة مستقبل العالم

وأكد ناصر عراق: “إن المرأة في رواياتي لا تنفصل كثيرًا عن المرأة في حياتي، بمعنى أنني أعد نفسي محظوظا لأنني تعاملت مع نساء متفردات تعلمت منهن الكثير، فوالدتي الراحلة كانت مغرمة بالآداب والفنون والسياسة، ورغم أنها لم تلتحق بالمدرسة، غير أن أبي المثقف العصامي الموسوعي قام بتعليمها القراءة والكتابة، واصطحبها معه إلى صالون سلامة موسى في أربعينيات القرن الماضي. ولك أن تعلم أنها رحلت في المستشفى عام 1997 وتحت وسادتها رواية ماركيز الجميلة (سرد أحداث موت معلن)، كذلك شقيقتي الكبرى الراحلة كانت مفتونة بشعر المتنبي وشوقي وغناء أم كلثوم وعبدالوهاب وفيروز، علمًا بأنها حصلت على الدكتوراه في الفيزياء النووية من إنجلترا.

المرأة كما قال الشاعر الفرنسي أراجون (مستقبل العالم)، لذا ستجد في رواياتي حفاوة دائمة بالشخصيات النسائية المكافحة والجادة والمثقفة، إلى جوار الشخصيات غير السوية أو التي تعرضت للقهر والخداع.

 

• عصارة الفن

البطل في رواية “الكومبارس” ممثل مغمور، وفي “نساء القاهرة – دبي” يعتمد على الأغنيات، كما حضر الرسام في “نساء القاهرة – دبي” و”الأزبكية” و”أزمنة من غبار” عن كل هذا الحضور للفن يقول ناصر عراق: “إذا عصرتني سأقطر فنًا، باختصار يجري الفن بمجالاته المختلفة في شراييني، فأنا أرسم منذ كنت في الرابعة، لأن والدي كان رساما متميزا فغدوت أحاكيه، ثم أنني مثلت على المسرح في الكلية وما بعدها، وأسست فرقة مسرحية أسميتها (فرقة تمرد) وأخرجت لها عدة مسرحية في مطلع التسعينيات، كما أنني من عشاق الموسيقى العربية والأجنبية وأعرف تاريخها وتطورها بشكل جيد، لذا حاولت استثمار غرامي بالفن ومعرفتي بالكثير من أسراره في رواياتي، مع مراعاة منطق الرواية وطبيعة الشخصيات”.

وعن سبب امتداد زمن الأحداث فى “الكومبارس” و”نساء القاهرة – دبي” مما جعل كلا منهما تبدو وكأنها رواية أجيال أو رواية نهرية على العكس من رواياته الأولى يقول الروائي “أتخيل أن كل فكرة رواية تستدعي الأسلوب الذي يجب أن تكتب به، لذا استدعت الأفكار الواردة في الروايتين ضرورة أن تصاغ على شكل رواية أجيال، فالهدف الأساسي تمثل في رصد التحولات الاجتماعية العنيفة الذي عصفت بمصر طوال نصف تقريبا، الأمر الذي جعلني أذهب إلى تشييد رواية ذات بناء معماري يتابع هذه التحولات وأسبابها ومآلاتها وتأثيرها الجبار على الشخصية المصرية”.

 

• التاريخ والحاضر

وعن اعتماده على التاريخ فى روايته “الأزبكية” يقول: “عدت إلى التاريخ في الأزبكية لأفهم الحاضر محاولا استشراف المستقبل، تناولت فترة منسية في تاريخنا الحديث رغم أنها مشحونة بصراعات سياسية وقكرية وثقافية بالغة العنف، وأظنك تعلم أن مصر مرّ عليها تسعة حكام في سبع سنوات فقط، في الفترة الواقعة بين قدوم الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1798 وبين سنة 1805 عندما استحوذ على السلطة الضابط الألباني محمد علي. أقول تسعة أجانب حكموا مصر خلال هذه الفترة الوجيزة قتل منهم ثلاثة! لم يقتلهم المصريون وإنما قتلهم جنودهم الأجانب أيضا باستثناء الجنرال الفرنسي كليبر الذي قتله الشاب السوري سليمان الحلبي. هذا ما حدث قديمًا، بينما نحن في مصر منذ عام 2011 وحتى 2014 حكمنا خمسة حكام هم حسني مبارك وحسين طنطاوي (المجلس العسكري) ومحمد مرسي وعدلي منصور وعبدالفتاح السيسي، واثنان من هؤلاء الحكام الخمسة قذف بهما إلى السجن! هذا التشابه هو الذي جعلني أبحث في التاريخ عن إجابة تشفي غليلي بصدد الأسئلة الراهنة مثل: متى يثور المصريون؟ ومتى تنجح ثورتهم؟ ولماذا تخفق؟ وكيف تتعامل القوى الكبرى معهم؟ وما موقفهم من الغرب؟ وما شكل البلد الذي يسعون إلى تشييده… وهكذا. أي أن العودة إلى الماضي في الأزبكية كانت بهدف محدد يتمثل في محاولة فهم الحاضر الملتهب. (خدمة وكالة الصحافة العربية).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان