الحديث اليوم عن تأجيل الانتخابات ومبررات ذلك، والتشديد على إجرائها في موعدها ومخاطر الإرجاء على العملية السياسية، لابد أن يدعونا الى التفكير فيما هو أبعد من ذلك، والمقصود بذلك ما تعانيه العملية السياسية من إشكاليات حقيقية لا يريد الكثير من السياسيين الإعتراف بها.
والبدء بمراجعة جادة للمنهج الذي سلكته الأحزاب طيلة السنوات الماضية، فما نراه من تجاذبات وانشقاقات وتبريرات لن ينقذ العملية الديمقراطية مما وصلت اليه، علينا الإعتراف أولاً بأن التفريط بالديمقراطية ـ برغم كل التناقضات ـ سيدخلنا الى ما هو أسوأ مما شهدناه في العقد الماضي، لأننا سنخسر أولاً المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الديمقراطية وهو التبادل السلمي للسلطة، وهذا يعني ـ لا سمح الله ـ الاحتكام الى السلاح والعنف، الأمر الذي سيمنح الإرهاب وكل القوى التي لا تريد للعراق وشعبه الخير أن تتخذ من الساحة العراقية ملعباً لها تمارس فيه نشاطاتها الإجرامية من قتل وتخريب.
وفي مراجعة بسيطة وشاملة للمرحلة الماضية يمكننا القول إن الإرهاب والفساد كانا السبب في تدهور الأوضاع وإضعاف الدولة، وما لاحظناه حين تمدد الإرهاب وشكل خطراً على الجميع وتوحدت القوى السياسية لمجابهته هو اندحاره وتلاشي وجوده العسكري في زمن قياسي فاق التوقعات التي كنا نسمعها ونقرؤها من الخبراء الأمريكان والأوربيين
، وعاد كما كان جيوباً ضعيفة تمارس إرهابها كلما وجدت فرصة مؤاتية ولا تتمكن من البقاء خارج مخابئها، فضلاً عن هروبها خارج العراق خوفاً من ملاحقة الدولة والأجهزة الأمنية، فماذا يعني هذا والسياسيون يستعدون للانتخابات
القادمة ؟
ما يستخلص من ذلك هو أن القوى السياسية بحاجة الى وضع المصلحة الوطنية التي هي ضمان للجميع وهدف أساسي للعمل السياسي، ولا تسمح للمحسوبين عليها باستغلال العمل السياسي والعنوان الذي يتصدرون به المشهد لتحقيق المصلحة الشخصية وتقديمها على ماعداها، إذا لم نقل انتهاك القانون عبر الفساد واستغلال المال العام والمنصب بما يسيء الى الدولة وأخلاقيات العمل السياسي.
والحديث عن تغيير الوجوه اليوم وأهمية إجراء الانتخابات في موعدها يثير الكثير من التساؤلات تعود في جوهرها الى المبدأ الذي نعرفه ولا نمل من تكراره حول جوهر العملية الديمقراطية والخروج برؤية جديدة ومنهج يمكننا من تقوية الدولة وعدم تكرار الأخطاء الماضية، ففي ذلك إساءة بالغة للعمل السياسي برمته، وسبب لعزوف العراقيين عن الإنتخابات، ولا يمكننا والحال هذه أن نلوم الناخب على فقدانه للثقة بجدوى هذه الممارسة التي لم تجلب له ما كان يؤمله من حقوق وخدمات.
وهذه المسؤولية تتحملها القوى السياسية والشخصيات التي مثلتها في المراحل الماضية، وسواء جرت الانتخابات في توقيتاتها التي تدعو اليها الحكومة أو تأجلت لبعض الوقت لابد من إعادة النظر فيما تمثله من ممارسة حضارية تتجاوز في مقاصدها المعنى الذي يضمره بعض السياسيين، ممن لا يمتلك برنامجاً وطنياً يمكن أن يحدث نقلة حقيقية في الواقع العراقي تتناسب مع روح الديمقراطية وما وجدت له .





