يوسف عبود جويعد
وذلك من خلال تقليص الوجود الخطابي الى أقصى حدّ , لا من خلال التغاضي عن وجوده , بل من خلال عدم اهتمام القارئ بما يرد فيه من توجيهات , وحسب إليوت ” فإن الطريقة الوحيدة للتعبير عن انفعال ما من خلال شكل فني هي أن نجد له معادلاً موضوعياً” بعبارة اخرى “إيجاد مجموعة من الموضوعات او سلسلة من الوقائع باعتبارها صيغة تعبّر عن انفعال خاص) ص 68
وهكذا فاننا سنلج غابة جديدة , زرعها ووزع مساحتها , واختار لها مناطق الظل والضوء , ووزع معالم الخضرة فيها , وكذلك اختار لها الكثافة المطلوبة , فهل سندخل غابة جديدة لم نألفها من قبل ؟ وهل نجد فيها ما يشحن الذهن ويؤجج الافكار ؟ وهل ستكون رحلتنا معها مليئة بالمغامرات , وحافلة بالاستكشافات الجديدة .
.. أين ذاهب , أيها التعس !!
شارد فوق هذه التلال , وغريباً في هذا القفر من الارض
ووحيداً ……….!!
هذا هو مستهلها , ومدخلها , والصوت الداعي , أن ادخلوا إليها , فهي غابتي , وأنا زرعتها , ورسمت ملامحها , ووضعت فيها كل خبرتي , وهو مستهل يدعو للتأمل والتفكير , ويثير تساؤلات كثيرة , قبل أن ندخلها ونلج معالمها , لماذا بطل هذه الغابة لا يعرف وجهته , وهو تعيس ايضاً , وشارد فوق تلال الحياة , وغريبا على وجه هذه الارض , ووحيداً حد الاختناق , وهي رسالة مشفرة , انطلقت من المؤلف النموذجي , الى مسامات المتلقي , لتكون أشبه بشحنة سحرية تنساب بهدوء الى حواسه وذهنه , وتلهب مشاعره من أجل أن يواصل رحلته في هذه الغابة , وهو يحمل في داخله أسألة كثيرة وكبيرة , يريد أن يعرف الاجابة عليها.
وهكذا فسوف نكون مع غابة شوقي كريم حسن , في روايته (قنزة ونزة)
فهي تمتاز, بالنسق الفني الذي يتخذه سياق عمل في فن صناعة الرواية , كونه لايعتمد التناول السردي الاعتيادي المتبع في نقل الاحداث , وانما اختار له نمطا خاصا ومسارا مغايرا حيث كانت مهمته صعبة وفيها جهد فني مضن وشائق , كونه شكل الوانا من الطيف السردي وجعلها خيوطا متشابكة متراكبة متداخلة , لينسج هذا النص , بلغة روحية شعرية حسية عميقة , تنبعث من اروقة الدهاليز الذهنية التي تفتح لنا ابواب هذه الغابة مشرعة من خلال فضاء النص , حيث نجد خراب الروح , وخراب الإنسان, وخراب البلد , مناجات واعية تستنهض حضاراتنا الاصيلة , وأساً وندم وخوف وقلق , ونشهد في مبنى السرد ايضاً هروبا يتفرع الى فرعين , الهروب الى داخل تلك الدهاليز , وكذلك الهروب من الخارج , ونجد مناطق ظلمة الروح الغائرة بالاحداث, وضياء الامل ,ونجد الكثافة الواضحة في هندسة تلك الغابة , والخضرة ,ودهاليز كثيرة تفضي بنا الى عوالم غائرة بالتداعيات الروحية , ثم نجد المؤثرات الكبيرة التي حدت بالروائي ان يتناول هذا النص بتلك الإنثيالات الروحية والفكرية , التي تعمق مسيرة المبنى السردي , وتعطيه دفقاً جديداً , لم نعهده في اغلب صناع الرواية ,إذ ان المتلقي سوف يزج وسط هذه المناجات الداخلية الحسية الروحية التي شكلت مسيرة الحركة السردية منذ بدايتها , وحتى انتهائها, لنكون مع عوامل متعددة تداخلت في هذه المهمة ,منها الخطيئة , الندم , انعدام الوعي , الخرافة , سلب الإرادة , وقلة الحيلة ,نقاء الحياة وصفاءها المفقود ,, حيث نجد بطل هذا النص , يحاول الخروج من هذا التأزم الدائم الذي يرافقه بمعاقرة الخمر من أجل ان لايعيش واقع الحياة المؤجج بالمتغيرات نحو الاسوأ , ونجده ايضاً ( أي البطل) يقوم بإدارة دفة الاحداث , ولكن ليست بالصورة الظاهرة , وإنما كانت تخرج متأثرة بواقع تلك الحياة الزاخرة بالآثام والخطاية ( – لا اعتقد أن لخلاصنا معنى ..كلما جئت طريقاً وجدت مئات الأكف تلاحق تلك اللحظة المتقدة .. أصرخُ محتجاً . أتدافع , أطشر الأحلام من حولي بمكر لبوة تعرفُ مقاصدها , أرفس كل ما يعيق تقدمي , ولكني ما ألبث أن اصطدم بجدار الرفض ). وهذا الرفض , يتمثل بعدم رغبة البطل بمواصلة الاشتراك بالحرب , والتي يجدها لاطائل منها , والحياة التي وجد نفسه مرغماً أن يعيشها رغم مساوئها ( – ليش ..؟؟ ( صدك عود ليش نموت ,, واشفنة من عمرنة.. ليش نموت كي يحيا الجنرال). ويعتمد الروائي باستخدام اللغة العراقية, من أجل أن يكون لهذا النص , هوية , وبيئة , وهكذا فان البطل يقرر أن يهرب من هذا الموت في تلك النيران المشتعلة وسط الحروب . قد يجد المتلقي بأنه لم يعتد هذه الصيغة في مسار السرد , كونه اعتاد أن يواصل المتابعة من خلال الاحداث الخام المباشرة , وأنه اصطدم بأكثر من غلاف متداخل في متن النص,فيجد حالة الوعي , وكذلك حالة من الإحباط الكبير الذي احاق بالبطل ,ويجد ايضاً العمق الفلسفي , ويجد لغة شعرية تدخل الى ذهنه , تعتمد على الانزياحات والدلائل والصور الرمزية العميقة , ويجد خطوطا متداخلة متراكبة تشكل النسيج السردي , منها الغور في الاعماق ومواصلة سير الاحداث من الداخل , ويجد مؤثرات الحالة المتردية للبطل قد وظفت بشكل دقيق ضمن انسيابية النص , وإيقاعه غير المعتاد . وبعد هروب البطل عن طريق النهر , يلتقي بميري في احدى الكنائس , ويرتكب خطيئته الكبرى في هذا المكان المقدس , فيزرع في احشائها جنيناً , ويواصل هروبه المجنون , نحو اللا شيء , نحو المجهول , وتكون تلك المرأة البريئة في الاحداث اللاحقة , رمزا للحب والنقاء والصفاء, كونه انتزع منها ذلك عنوة. واود الإشارة هنا الى أن الروائي استطاع أن يوظف التقنيات الحديثة في تناول هذا النص , منها المسرح , السيناريو والحوار, التقطيع الصوتي , والتوقفات التي تستخدم في مجال الاذاعة والقراءة الحديثة .
( بدأ القلق الذي أخفيه تحت طيات طفولتي التي أحسستها قد اينعت وباتت تطالبني بغير براءتي وقحط أحلامي , أخذت يدها الى يدي , وشفتي الى شفتيها اللتين اختلجتا بإنوثة طافت فوق سموات وجودنا , كانت السيدة العذراء تبتسم والسيد المصلوب يحاول الافلات من قبضة صليبه , القطة التي كانتها , ماءت)
وقد ترك ايضاً صديقه نابليون , الذي كان يوفر له العرق المغشوش في ثكنات الخوف ( جيب النص أبن الكلب .. إذا ما احجي بالدين والسياسة والنسوان ..لعد ابيش احجي بروح اجدادك .. لك مرات تحشش .. لو صدك انت مخبل ..نام انطمر.)
فتهرب ميري من مكانها المقدس , وتلجأ الى ام البطل جورية, وتعيش معها , وهما ينتظران الوليد الجديد , فتكون ميري بعد أمه جورية , رمز النقاء والصفاء والحياة التي ندم على تركها
( جورية .. أمي أجلّ من البهاء .. من اين لكِ بكل هذه الحكمة ..؟!!
تضحك جورية , تضحك السماء بكل ما يؤسس وجودها , تضحك الارض وهي تحتضن هاتيك العينين السوداوين المملؤتين بألوان من الانكسارات وعذوبة الوجع وإنهياراته ) . وهكذا تسير الاحداث بهذه الوتيرة والتي تضمر الاحداث تحت اغلفة فنية وجدها الروائي من الضروريات التي تساهم في إنضاج النص, وإيصال الثيمة أكثر وقعاً , وأشد تأثيراً, وكما كنا نحسها جديدة في الوهلة الاولى , فإننا نجد مدى قدرتها على التوصيل والتأثير , وحاجة هذا النص الى المزيد من هذا النسيج المتداخل ,من أجل ان نعيش لوعة الغربة والضياع والتيهان والمناجات, للبطل وهو يتخبط في بلاد الغربة , مفتشاً على البارات والخمر والليالي الماجنة, لتظهر في دورة الاحداث , كاترين التي تتعرف عليه , وتلتف حوله كأفعى لتصداده, ويقع في حبائل مكرها ودهائها , رغم أنه يحمل ذكرياته الآسرة المضنية لامه جورية , ولحبيبته ميري , الا انه يقع تحت حبائل هذه الماكرة الاسرائيلية الاصل , وينغمر في هذا العالم الغريب , حتى تفاجأه بأنه سيعود الى ارض الوطن وما عليه سوى توقيع هذه الورقة , وعندما يسألها الى اين , تقول له سنذهب الى حضارة اور , وعندما يطأ ارض الوطن , يفاجأ بأن نابليون بائع العرق , هو الشيخ احمد السعد , ويعمل مع كاترين , وانها تسلمته منصب مهم , وان احمد السعد (نابليون ابو العرق) سيكون مستشاره , احس بطل هذا النص بأن مؤامرة تحاك , لم يعرف سرها , وأنه عاد من اجل ان يرى امه جورية وحبيبته ميري وابنها , وبعد المراقبة يكتشف ان كاترين جاءت الى هذه الحضارة العريقة لتسرق الآثار المدفونة , وتنقلها الى بلادها , فيشعر بإنكسار نفسي كبير , تزداد تلك الانثيالات النفسية والمناجات حدة واشتداداً , وتتصاعد الاحداث وتتواتر , فيقرر أن يتخلص من هذا المتلون (نابليون ابو العرق) , وتدور معركة كبيرة بينهما ,ويستطيع ان يرديه قتيلاً , الا ان الوان النسيج الطيفي المتداخل , يختلط يتشابك ويتناوب في الظهور , ليضيء هذا النص السردي ,وتتأجج الاحداث وتشتعل , وليس امامه الا رؤية امه وحبيبته .
لقد أجاد الروائي استقدام الادوات السردية , كما إنه استغلها بشكل متقن ضمن متن النص , فنجد الزمان حاضراً في كل مراحل النص بشكل واضح , ومع دورة الايام والاسابيع والشهور والسنين , والحقب الزمنية التي مرت في هذا المبنى السردي وحتى دوران الفصول , الصيف , الخريف , الشتاء , الربيع , وكذلك نجد المكان حاضراً اينما ما رحلت مع النص , أما الشخوص فقد رسم ملامحهم , وفق انعكاس وانثيالات التداعيات الروحية , وما ترمز اليه كل شخصية , فالام تلك المرأة الجنوبية الريفية التي تنثر عطراً ومحبة وطيبة , وأمومة حنينية واضحة, وهي الرمز للحياة النقية الصافية , أما ميري فكانت تحضر مع شحنة الندم الذي كان يعصف ببطل هذا النص , لما ارتكبه من خطيئة بحقها , وهي هادئة وديعة راضخة لواقعها المر , ومع هذا فإنها تحبه , ولا يمكن تتركه , ونابليون هذا الذي ينتهز الفرصة من اجل أن يصل الى غايته , وهو متلون يتقلب ومتطلبات المرحلة وهو يعرف ماضيه وحقيقته , كون البطل كان يحصل على العرق المغشوش منه , وكذلك كاترين تلك المراة الاسرائيلية التي ترمز الى حالة كبيرة تصل الى حد السبب في هذا الخراب الذي حدث في هذا البلد , كونها ترمز الى تلك الدول المهيمنة على العالم , والتي جاءت من اجل اطماع ومصالح سياسية واقتصادية وهمها ان لا تقوم قائمة هنا , وان يظل الخراب دائما من اجل اسقاطه , وهكذا يتضح لنا , أن الروائي عمد الى أن يجعل لكل شخصية رمزاً يرافق ملامحها وصفاتها والحياة التي تعيشها , أي إننا نستطيع ان نكتشف الرؤيا لواقعية الشخصية , وكذلك رؤيتها الرمزية ودلالتها التي تشير إليها من خلال الاستقراء , إذن فإن مهمة الشخصية في هذا النص تنقسم الى قسمين هما , واقعيتها كشخصية ضمن محور الرواية , والرمز الذي تمثله ضمن النص .وكذلك تجدر الاشارة الى ان الروائي شوقي كريم حسن , قام ببحوثات طويلة في الكلمات المستخدمة في لغتنا والتي هي من اصل سومري , أي أنها لغة عراقية خالصة , وقد استطاع حتى هذه اللحظة جمع اكثر من مئتين وخمسة وعشرين الف كلمة سومرية الاصل , وأنه في هذا النص استخدم هذه اللغة كونها لغة عراقية خالصة .
كما انه استطاع أن يجعل هذا النص عراقياً اصيلاً من خلال استحضار , البيئة والهوية الصادقة لهذا البلد .
ان هذه التشكيلة المتنوعة التي صبغت العملية السردية لهذا النص , وغلفته بأكثر من غلاف , اللغة الشعرية , والحسية , والروحية , والرمزية , والغرائبية ,والسحرية , والخيال الخصب,والوعي الرافض لكل انحراف,وتذكير ابناء هذا البلد بحضارتهم العريقة , جاءت لضرورات وجدها الروائي مهمة , لضخ العملية السردية بنوع آخر ونمط آخر من تلك المتغيرات , التي لولاها لكانت حركة السرد في البلد راكدة متوقفة , واحدة مملة , ولاكتفى المتلقي بقراءة رواية واحدة , اضافة الى ذلك فان الروائي عمد في هذا النص الى ان يكون مختلفاً , وان يختار هذا الطريق الصعب , الذي يشبه الهذيان , لكنه هذيان واع, هذيان حر, هذيان لرجل ينوء بهموم ثقيلة وكبيرة , وطن يسرق,وصفاء ونقاء وفطرة تغيب , وحضارة تهدم وتنقل , وحياة انقلبت فيها الموازين رأساً على عقب, وغربة في وطن ووطن في غربة , وضياع وتيهان , وتخبط وفوضى , لكنه يعتمد على السياق الفني الصحيح , والدليل على هذا هي بنية العنونة (قنزة ونزة ) وهي كلمة عراقية سومرية تعني ( الانفلونزا) او ( الدوخة ) او الكلام غير الموزون , الا أن عدم الاتزان لم يكن ضمن مسار النص , ولكنه ضمن الحياة التي نعيشها , والتي تشبه الى حد بعيد ( الانفلونزا) لما تحمل من أضرار للانسان تصل به الى حد الحمى وارتفاع درجة الحرارة والهذيان , لكن في هذا النص نجد هذا الهذيان حرا واعيا قويما , زاخرا بالموعظة والحكمة .
رواية (قنزة ونزة) للروائي شوقي كريم حسن , جهد فني يضع امامنا وجه المقارنة بين القيامة القائمة التي نعيشها , وبين العالم الهادئ الوديع الذي يسوده الحب والوئام والسلام والطمأنينة , الذي فقدناه , ومازلنا نبحث عن طريق للخلاص , فأين هو الخلاص؟!!








