علوان السلمان
لطفية الدليمي..اضاءة استثنائية.. وتفرد في المشهد الابداعي الانساني و العربي على العموم والعراقي على وجه الخصوص..لما تمتلكه من مقومات ابداعية في كتاباتها السردية (قصة/رواية) المستفزة للذاكرة المستهلكة والنابشة لخزينها المعرفي للاجابة عن اسئلتها..كونها تنفتح على عوالم مبتكرة..متجاوزة لواقعها تكشف عن قدرة ساردة متفردة يشهد نتاجها المعرفي المكتنز برؤاها الفكرية الجريئة ابتداء من(ممر احزان الرجال والبشارة والتمثال واذا كنت تحب وعالم النساء الوحيدات ومرورا بمن يرث الفردوس وضحكة اليورانيوم وبرتقال سمية وانتهاء بحديقة حياة ونساء زحل..)..وقد ترجمت معظم قصصها الى الانكليزية والبولونية والرومانية والاسبانية..والى الصينية ترجمت روايتها عالم النساء الوحيدات..
لطفية الدليمي في تراجمها الثقافية تعيد صناعة المادة الادبية وتدخل عليها محسنات اضافية لتنتج نصا موازيا للنص الذي قامت بترجمته من خلال الاحساس باللفظة..والمعرفة بالجوانب اللغوية والفنية لكلا اللغتين المترجم منها والمترجم اليها..كون الترجمة عمل فني يتطلب الدقة والحرفية العالية..لا تقل اهمية عن التأليف..لانها اعادة صياغة الافكار والرؤى والاحاسيس بطريقة منهجية ومهنية تحاشيا للمساس بتقنية النص الاصلي الخاضع لعملية الترجمة..
لطفية الدليمي اهتمت بالترجمة الادبية احد تصنيفات الترجمة التي تلزم مترجما استثنائيا يتفرد باتقانه قواعد اللغة المتعلقة باللغتين المترجم منها والمترجم اليها..اضافة الى معرفته الدقيقة بالمصطلح لكلا اللغتين..ولا يفوتنا ان نذكر اهمية الحرية التي هي(وعي الضرورة)على حد تعبير ماركس..للمترجم الادبي في التعامل مع النص بشكل لا يخل بمضمونه باعتماد صياغة واسلوب ابداعي خلاق اضافة الى عنصر التخييل ودراسة البيئة الاجتماعية والنفسية والشعورية لكاتب النص الادبي الذي يراد ترجمته..وهذا يتطلب ترجميا لديه احساس مرهف مع موسوعية معرفية مقترنة بتوخي الدقة المنبثقة من الرؤية الفنية للنص المترجم الذي يبحث عن مبدع لا موظف يتكلم اللغة..كل هذا نجده عند القاصة والروائية والمترجمة المغتربة لطفية الدليمي التي ابدعت في نقل المحتوى من لغة المصدر الى لغة الهدف بحس لغوي وقدرة على تقريب الثقافة المترجم منها…. لان فن الترجمة transltion فن تخصصي بحد ذاته ونشاط لغوي يعتمد محاورة الافكار بتوظيف اللغة والمعنى.. وعلم النفس والاجتماع..فضلا عن وجوب التقيد بمعلومات النص وافكاره ومشاعر صاحبه من اجل تحقيق المنجز المترجم اهدافه في ايصال التاثير واشغال الذاكرة… يخوض غماره مترجم بارع في انتاج نص جديد يمثل مرحلة تأويلية كانت قد سبقتها مرحلة تأويلات قرائية للنص الاصلي حين الظهور..كون التأويل جوهر القراءة الذي يسهم في تحريك الخزانة الفكرية..وتحقيق الاضافه الخلاقة للثقافة المعرفية الانسانية..كونها جسرا لتبادل الافكارعبر مترجم لديه قدرة امتلاك ناصية اللغة المكافئة للغة النص المترجم..اذ لابد (للترجمان ان يكون اعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول اليها حتى يكون فيها سواء وغاية)على حد تعبير الجاحظ.. لانها تسهم في نقل الثقافة والحضارة من والى..فتشكل نقلة من التقوقع والانطواء والحصر صوب الانفتاح وردم الحواجز واختراق الافاق من خلال الغوص في مكنونات العقل والروح، وهذا ما تكشفه ترجمات المنتجة السردية القصصية والروائية والسيرية والحوارية كما في( بلاد الثلج/رواية وضوء نهار مشرق/روايةلانيتا ديساي وشجرة الكاميليا/ قصص قصيرة وكتاب العودة الى الطبيعة/دراسة في نمط العيش على وفق الفلسفات الشرقية الاسيوية..السيرة الذاتية لكولن ولسون وهناك المذكرات كما في يوميات انا ييس نن ومذكرات زين العابدين عبدالطلام..اضافة الى ترجمتها لعدد من الدراسات الروائية منها تطور الرواية الحديثة لجيسي مارتز والرواية المعاصرة لروبرت ايغلستون..فضلا عن حوارات في اصوات الرواية حوارات مع نخبة من الروائيات والروائيين ..وقوة الكلمات حوارات ومقالات لنخبة من المفكرين والفلاسفة..اضافة الى الرواية التي احب حوارات مع مجموعة من الكتاب..
وكل هذا يكشف عن ذات موسوعية المعرفة متفردة بحرصها على تجسيد مشكلات الواقع عبر رؤية كونية بكتاباتها وما تترجمه في كل زمان ومكان احتلته بحكم هجرتها اضطرارا فكانت تلك الهجرة (صرخة احتجاج على واقع مأزوم تعيش فيه اغترابها الداخلي..)..فهي ترى(ان المبدع كائن مغترب في الاساس لانه مسكون بالقلق وشهوة التجاوز وعدم القبول بما هو ساكن ومستقر من حيثيات الحياة..أما الغربة فهي ما نكابده بعيدا عن حواضننا الروحية وبيئاتنا ولغتنا وذكرياتنا..
ومن هناك كان ابداعها المقترن اقترانا وثيقا بوطنها ومجتمعها عبر رواياتها التي شكلت مفصلا من مفاصل الابداع التي تسعى الى مواكبة الحدث وتجاوزه..وبذلك صارت علامة فارقة من خلال تجاربها التأليفية والترجمية التي تعد فنا يعتمد على ابداع المترجم وثقافته مع حس لغوي ينقل المعنى لا اللفظ..كونها تعي ان الترجمة تفاعل موصل بين المجتمعات والحضارات المختلفة عبر مترجم يصوغ الافكار في الفاظ موجهة مجتمعيا من خلالها يتم تلاقح الحضارات كونها جسرا موصلا ما بين ضفتين..لها دورها النهضوي بصفتها حركة اخذ وعطاء وتبادل المعرفة والاكتشافات العلمية والثقافية وفق اسس تكنيكية تتمثل في نقل المعنى بدقة اسلوبية محكمة من اجل تحقيق مستوى حضاري متطور يعبر عن فن من فنون الحياة والتواصل مع الآخر..









