نعيم عبد مهلهل
( الجزء الثالث)
إنها روح مدورة وتتحرك في محيط سديم من التأمل وقراءة الأفكار أخري. وماهي الأفكار الأخري: أنها (خليط من لذة نصنعها بإيعاز من غيب لانراه ولكننا نحسه يتحرك بين أصابعنا وفي خفقان قلوبنا، وفي نومنا نراه مثل فلاح البستان قادم إلينا بسلة الثمر). لهذا فأنه قائم علي لحظة التأمل بقدرة حسه ولاأثر للجسد أو القوة، ما تمنحه لنا طاقة الروحية هو ما تمنحه السماء البعيدة لمن يختار هذا المنهج، من هكذا نبع تأتي الأفكار وتهيمن على موجودنا وهذا في حكم القدر والتقدر يحتاج إلى تمرين صعب. ذلك أنك حين تود تنشئة الذائقة على سياحة الذهن ورقته عليك أن تنزع جسدا وتلبس أخر وهو ما تسعى إليه البوذية تماما وما يفكر به الراقد تحت ظل نخلة المنى ينتظر تدفق موسيقى الزمن الذي أمامه وفي رجاء أسطوري يتمنى أن تسكت كل البلابل ويبقى الذي يتمناه وحده مغردا في سياحة العاطفة وصناعة الكلمة وتأويل الحلم إلى افتراض وجوده هائما وسابحا في ذاكرة الشعر التي نلبسها بياض الثوب وبياض النية وبياض التصور..وكما يقول غاستون باشلار:ان الأمكنة تخلق سحر القصيدة بحسيتها وربما مكان سقوط الدمعة اجمل مثال لذلك:يمضي هاجس باشلار الى الدمعة، ومعها يمضي هاجسي الى الشعر. الشعر الذي يُحيلنا الى متعة الروح قبل متعة فهم كلام المغزي. إنه معنى أَن تكتشف، ومعنى أن تعيد بناء بيت الذاكرة،ومعنى أن تقود خطاك صوب الافق الأوسعَ من أجنحة ضوء العتمة التي تريد بها أن تصنعَ من تخيل الأغماضة ماتود أن تمتلكه (الوطن، الوردة، المرأة، لحظة صفاء البال. وسياحة الميتافيزيقيا). فهو أي (الشعر) رؤيا لما قد نراه في أطياف الكلام فقط، وعدا ذلك فإنه يبث رؤيته بالشجن والأدراك والوقيعة ليلازمنا ظلاً يبدأ في لحظة طفولتنا المستعادة وينتهي بنا الى إغماضة الأبد الأخير.وسط هذه الرؤى يصبح أنتاج النص من المكان الممكن الأول في جعل الخيال الطافح كائناً على ورقة، يمتلك المشاعر والمشاهدة والبوح والمعنى، وبتلك الأشياء يبدأ الشاعر صنع كائناته وتسويقها لمن يدرك إنهم معه في الفهم وفك مشفرة المشاعر والتضامن. فمن دون آخر، لايمكننا أن نصنع احساسنا بجمال. دون أمكنة نرتديها قمصاناً لصباحات نستقبلها بقراءة مفترضة ومتخيلة لانقدر أن نكمل يومنا الى آخر نبدأ منه من جديد.فالأمكنة لحظة أرضية يدركها الشعر حين تفترض لحظة ما، أن عليك أن تبتعد عن بساطة وجودك، ليأتي التخيل منقادا بما تحس او ترى، وكلها بأسقاطاتها المتعددة تخلق هاجس الكلام وفكرته (غرفة، موسيقى، حرب، منفى، حب خاسر، طائر في قفص، إنفصام شخصية، بوح طافح بكل شيء، رؤيا متصوفة، سُكر، خيانة، نجوى). كلها تستقر في مربع ضوئي في مرأى المخيلة لتطلق بعد ذلك فراشات الضوء الى حديقة الورقة أو شاشة الحاسوب، ليكون جماعا، وهذا الجماع ينتج، وليبدأ مشوار أزمنته بين الذكورة والانوثة، والغريب انه يبدأ بحجم دمعة ولينتهي بحجم جبال الهملايا، ربما اكثر، إذا قدر للقصيدة أن تذهب من مكانها الى درب التبانة. إذن.المكان خطوة النص الى الطريق الذي يريد أن يسلكه والمكان الذي يتمنى أن ينتهي اليه، كما تنتهي خطوة الجندي بعد مفارقته صخب الحرب.





