كتاب الحقيقة

بغداد مبنية بتمر فلش و اكل خستاوي

حازم لعيبي

  قبل يوم من مغادرتي بغداد متوجهاً إلى أميركا ذكرني احد الأصدقاء و هو مصور فوتغرافي بالأيام الخوالي التي قضيناها سوية في الأردن ، حينها كان احد أصدقائنا من الشعراء الشعبيين يرغب بالعودة إلى العراق بقوة مستوحشاً درب الغربة و مستاءً من اول خطوة منها ، حتى وصل به ان يردد بصوت عال : وين زقزقة العصافير ، و ين الأشجار العالية ، و ين النهر و الماي وين الناس ، ؟؟؟ متذكراً صاحبنا بحرقة و حسرة و ألم كل الأشياء الجميلة مخصصاً ما يحبه منها ، كإن لسان حاله يقول “اني لافتح عيني حين افتحها / على كثير ولكن لا اجد احدا” و بعد أخذ و رد إرتجل هذه الأبيات الشعرية ؛ حسافه على الزلم سكنت طبربور / و نسو بغدادنه الحلوه الوديعه / جنه على السطوح انشوف الطيور / صرنه طيور بلا شريعه / جنه على الطبيخ انذب الكسور/  هسه الفول والخبزه الرفيعه / و للمعلومة: ” طبربور حي من أحياء العاصمة الاردنية ، و الشاعر سمير صبيح الذي رجع حينها الى العراق مجازفاً بحياته مقابل الحياة البغدادية”

    الرسالة واضحة و صريحة و لا تحتاج سوى التعاطف مع شاعرنا الذي قالها صراحةً :لا حياة فعلية خارج سور العاصمة بغداد ،  و لم تسعه عمان ابداً ، انما كل النشاط و الحيوية ضيعها في شوارع مدينته بغداد و أزقتها ، بعد سنوات أكد ذلك لي احد أصدقائي الأردنيين معترفاً : حين قَدِمَ العراقيون خلقوا لنا حياة نهارية و مسائية و ليلية رائعة كانت غير متوافرة لنا يازلمه. و كل من عاش تلك الفترة العمّانية يعرف هذا جيداً و خبرها . 

         بالرغم من قسوة الظروف و الوضع الأمني الملتبس نوعاً ما في بغداد الآن ، لكن المدينة مازالت متحركة في كثير من الأماكن التي زرتها ( الكرادة ، السعدون ، شارع الرشيد ، الكاظمية ، الأعظمية ، و شارع المتنبي أيام الجمع) ، و مازال دجلة يحيي أبناءه أمثالي و يدعوهم إلى العودة على وجه السرعة . الفرق بين بغداد و مدن كثيرة زرتها و أقمت بها شاسع ، هائل ، و هاأنذا عائد إلى مدينة فينكس عاصمة ولاية أريزونا الأمريكية ، إلى الهدوء و السكينة ، و روتين العمل الممل ، إلى اللاحركة نسبياً ، إلى عائلتي و بس ، ” و باچر ناكل خس ” بثنين إدينه ، الفرق بين بغداد الحبيبة و فينكس يمكن ان ألخصه بجملة أو على الأكثر جملتين لا غير: بغداد مدينة حية اجتماعياً و فينكس شبه ميتة ” لا أنيس يسمع الشكوى و لا طيف يمر” 

          إي و الله بغداد مدينة متحركة حيوية و النشاط يدب في كل مفاصلها حتى في اشد الأيام قسوة ، حراك مجتمعي قل نظيره في العالم ، أما فينكس المدينة التي أقيم فيها مشلولة اجتماعياً بدليل ان الجار لا يعرف شيئاً عن جاره مطلقا ، وليس هناك حركة أقدام بشرية في شوارعها الحديثة ، و الإنسان حسب علم الاجتماع بحاجة لمن حوله من الناس ، كائن اجتماعي بطبعه . لذلك تستخدم نظم التواصل للتعبير عن الذات وتبادل الأفكار والتنظيم. كذلك يقوم الإنسان بتنظيم هياكل اجتماعية معقدة بالمشاركة مع مجموعات متعاونة ومتنافسة بدءا من تأسيس العائلات وانتهاء بالأمم . التفاعل الاجتماعي بين البشر أسفر عن ظهور عدد واسع ومتنوع من المعايير الاخلاقية و القيم الاجتماعية والطقوس الدينية التي تشكل عمليا أساس كل مجتمع إنساني.  

    من محاسن بغداد الحركة الدائمة و كأن الحياة لا تفارق كل جزء منها ، قبل أيام كنت و صديق الطفولة و صديق الشباب نتقلب يميناً و شمالاً في شوارع الكرادة و مقاهيها ، شربنا شاي أرخيته العظيم ، و فتحنا صفحات الإنترنيت في كافتيريا كرادية أخرى ، أكلنا خبز اعروگ ، ضحكنا و تكلمنا في أمور البلد ، صالحها و طالحها ، رأيت الشوارع و المقاهي و الأسواق عامرة و حيوية ، أنا من أستشعر بذلك و أتحسسه كوني الابعد نسبياً عن المشهد الأقرب الى روحها النابض ، في كل زيارة سنوية اجد تغيرات كثيرة ربما لا يشعر بها من يعيش يومياتها و اشكالاتها ، الحياة البغدادية رغم ما يحيطها من إلتباس لكنها غير مملة نسبياً ، دائماً هنالك من يحيطك بحبه سواء صديق أو قريب أو حتى سائق التكسي و كأنما تعرفه و يعرفك ، و غالباً و بلا تردد يشكي لك حال المدينة و ما مر عليها من ألم و مصائب و كأنه قريب حميم ، و لا ادري لم أتذكر دائماً ما قاله المرحوم الشاعر الملا عبود الكرخي : بغداد مبنية بتمر فلش و كل خستاوي / فلش و كل مرگة هوه و من التمر سهمي النوه / جلدي على عظمي التوه من طب ابو نجاوي / بغداد مبنية بتمر ما ينكضي هذا العمر …

          قد تمكن العراقيون من نقل حيويتهم و نشاطهم الثقافي و الاجتماعي من بغداد الى عمان يوم هجروا العراق الى البلد الوحيد الذي استقبلهم سنوات التسعينيات من القرن الماضي ، و من الصعب حدوث هذا في قارة اميركا لذلك اشعر بالوحدة و الاغتراب كما يشعر آلاف غيري بنفس الشعور هذا ، و ليس لنا إلا حل التعايش السلمي و الإنساني مع ثقافة و سلوكيات المجتمع الذي هجّرنا اليه ، و لا احد يمتلك القوة الذاتية و الموضوعية في التأثير بتلك المجتمعات التي خلقت نموذجها الأخلاقي و سلوكياتها الاجتماعية اليومية و شيدت صرحه حجراً حجراً لسنوات ، و سنبقى غير مؤثرين فيما لو اعتقدنا أننا هنا بصفة مخلص ، و فاعليتنا تكمن ان علينا ان نندمج مع هذا المجتمع و نخلق حياة حيوية من نوع آخر و كذا علينا ان نحب اوطاننا الجديدة كما نحب مسقط رأسنا تماماً . إي و الله تماماً . و هاأنذا أحن الى بغداد تماماً مثلما أحن الى فينكس حين أغادرها ، إي و الله تماماً .  

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان