عدنان الفضلي
تسعى البلدان المتطورة والمتحررة، الى التقدم من خلال المواهب والكفاءات التي تمتلكها، كما أنها تساير تطور العلم لتحقيق ذلك التقدم، حيث تبني المصانع والمعامل وتفتح المعاهد والكليات المعنية بتخريج أجيال منتجة قادرة على تحقيق التقدم المنشود.
يحدث هذا في دول الغرب الأوربي وأمريكا وبعض دول شرق وجنوب آسيا، لكنه في محيطنا الإقليمي مازال الشعار المرفوع هو أن “الدم كفيل بتقدم الأوطان” فترى تلك البلدان تجيد الخصومات والحروب حتى وإن كانت حروباً خاسرة، ولعل بيت الشعر القائل:
وطن تشيّده الجماجم والدم
تتهدم الدنيا ولا يتهدم
وهو بيت حفظناه مذ كنا صغاراً، ولكننا لا نعرف من قائله، فالبعض ينسبه للجواهري وآخر ينسبه لصالح مهدي عماش وهناك أكثر من نسب لهذا البيت الملعون، لكنه يصلح للتعريف بكيفية تفكير حتى مثقفي البلدان المتأخرة والمتحاربة، حيث يراهنون على التناحر بدلاً من الدعوة للوئام والسلام وتطوير المجتمعات وجعل يكون بالشكل التالي “وطن تشيّده السواعد والهمم” فتلك هي أدوات التطوير الحقيقية.
في العراق ومنذ شباط الأسود عام 1963 وحتى يومنا هذا، مازال هذا البيت الشعري الملعون يطاردنا، بل ويسكن مخيلة أغلب إذا لم أقل جميع الحكومات التي جاءت بعد ذلك التاريخ اللعين، فكلنا يعرف كم عدد الحروب التي خضناها ودفعنا قرابينها من دماء أبنائنا ولكننا لم نتحصل سوى على الهدم والخراب والفساد والانقسامات الطائفية والقومية، فالمتتبع لعدد الحروب التي خاضها العراق سيجد بداخلها حروباً داخلية أساسها الطائفية والقومية، كما هو الحال في الحرب بين العرب والكرد في سبعينيات القرن المنصرم، والحرب السنية – الشيعية التي جرت عام 2006 واستمرت لعدة أعوام كانت حصيلتها عشرات الآلاف من أبناء البلد.
أيّ وطن هذا الذي يبنى بالجماجم والدم؟ وكيف يمكن للبلدان أن تنشغل بالحروب وتستطيع أن تقدم لنا نموذجاً واحداً للتطوّر والتقدم في المجالات الصناعية والزراعية والعلمية والرياضية والثقافية؟ فمن المستحيل أن يحدث ذلك، كون الحروب التي تتحول الى جماجم ودم لا حصيلة لها سوى الهدم والتدمير والقتل والتخلف والفقر والذلّ والمهانة.
ما زلنا نحفظ هذا البيت الشعري، لكن القليل منا صار يلعن هذا البيت وقائله ومن يؤمن بمصداقيته ودعوته القبيحة.